تشهد مدينة العيون خلال الأيام الأخيرة، كما وقفت على ذلك “كود”، تصاعدا ملحوظا لمظاهر الاحتجاج والتظاهر وعادت  لائحة المطالب المعهودة لتطفو على السطح  وتتحول أرجاء المدينة إلى مسرح للوقفات والاعتصامات لشرائح مختلفة تحمل مطالب عديدة منها ما هو اجتماعي صرف كحالة المعطلين ومتقاعدي الفوسفاط ، ومنها ما هو اجتماعي بغطاء حقوقي- سياسي كما هو الشأن بالنسبة لتنسيقية اكديم ازيك للمهمشين وعائلات المعتقلين وكذا حملة توصيات هيئة الإنصاف والمصالحة المطالبين بالإدماج الاجتماعي والمعتصمين منذ ما يناهز أربعة أشهر بمقر المكتب الجهوي للمجلس الوطني لحقوق الإنسان.
 
هذه الوضعية  المتشنجة، والتي تواجهها الدولة بحزم كبير وبنوع من اللاتساهل، بحيث يلاحظ لجوء الإدارة، كما تابعت ذلك “كود”، إلى تدخل القوات العمومية في غالبية الأحيان، جعلت الكثير من المراقبين المحليين يشككون في مدى جدوى سياسة الدولة في الصحراء ويتساءلون عن مكامن الخلل التي جعلت من مجهودات كبيرة بدلت و تبدل في المنطقة  بدون أن تغير من واقع ما فتئ يزداد تدهورا يوما عن يوم.
 
الخلاصة الأكيدة التي يجب أن ينطلق منها لتحليل الأوضاع الاجتماعية بالصحراء و بالتالي نتائجها السياسية هي أن الصحراء ليست تلك الجنة الخضراء التي تزدحم فيها مظاهر الترف والرفاهة إلى الحد الذي يدفع سكانها إلى الهرولة صوب الخلاء لنصب الخيام أو التدافع في الميادين العامة من أجل استقبال هراوات رجال الأمن والقوات المساعدة لا لشيء سوى رغبة في اكتشاف معاناة الكادحين والمهمشين والتضامن معهم، وإثراء تجاربهم في هذه الحياة التي منحتهم كل شيء لدرجة أنه لم يتبقى إلا المرور بتجربة حياة الإنسان المقهور.
 
هذه الصورة الوردية عن  الصحراء لم تترسخ في أذهان الكثير ممن يحملونها اعتباطا. فإذا كان عامة الشعب الذي يجهل هذه  الصحراء ولم يزرها قط يشكل صورته عنها انطلاقا من “أكليشيهات” مغلوطة تحملها وسائل الإعلام، الرسمية على وجه الخصوص، فإن الطامة هي عندما تجد المسؤولين في الدولة مخدوعين في أوضاع الصحراء لكون المنظار الذي يستعملون لرؤيتها لا يجلب إليهم في مكاتبهم المكيفة إلا مظاهر النماء والرخاء والازدهار. هذا المنظار المذكور ليس إلا أحد الأسباب الرئيسية التي جعلت أوضاع المنطقة تتدهور، بل يستغل جميع الوسائل الممكنة من أجل أن يبقى الوضع على ما هو عليه..
 
 المنظار هنا ليس إلا ما يطلق عليه بأعيان الصحراء أو أولئك الوسطاء الذي يسقطون من السماء كلما همت الدولة بمعالجة ظاهرة ما  أو حل مشكلة ما بطريقة جذرية و عقلانية بحيث تجدهم يتهافتون  صوب المسؤولين من أجل المساعدة و إظهار قدرتهم على حل المشاكل و التأثير في الشارع و القدرة على وقف تحركاته، لكن ما لا يعرفه المسؤولون ولا الأعيان هو أنهم هم أنفسهم حجر العثرة أمام أي صيغة حل و أمام أي تطور قد تشهده المنطقة. فما يصطلح عليه بمؤسسة الأعيان في الصحراء  ليست إلا بنية تقليدية موازية صنيعة للمخزن و تستمد قوتها منه و تشتغل وفق منهجية ’’العام زين’’ بحيث لا يهمها إلا مصالحها الذاتية و التنافس على الريع الاقتصادي عبر تحفيظ الأراضي و الاستحواذ على رخص الصيد و مقالع الرمال ،و العقود الاحتكارية لتزويد المنطقة بسلع بعينها كالمحروقات ،و احتكار العقود التجارية مع مؤسسة الجيش .. و الأمثلة عديدة.
 
هؤلاء الأعيان، الوسطاء أو السماسرة، صادروا لعقود حق الفئات المهمشة والمحتاجة في التعبير عن مشاكلها وطرحها على المسؤولين بحيث كانت و لا تزال الكلمة السواء الوحيدة التي يجتمع عليها الأعيان أمام مسؤولي المركز  بعد أن فرقهم جشعهم هي ’’ كل شي مزيان … الصحراء بخير .. الخير موجود .. الجنة كاينة  فالصحراء ’’. هذا الاحتكار للخيرات والحديث باسم السكان جعل من المجهودات التي تبدلها الدولة بدون فائدة بحيث تواصل الإقصاء و التهميش لفئات واسعة من الساكنة، وتواصل معه سيطرة الوسطاء على كل المبادرات التي تقوم بها الدولة واستغلالها للزيادة في النفوذ وتحقيق الأهداف الشخصية على حساب الأمن الاجتماعي للمنطقة.
 
قوة لوبي الأعيان والوسطاء في الصحراء لم تكن لتحقق ما تصبو إليه لولا وجود مجموعة من المسؤولين الفاسدين المتواطئين مع طغمة الفساد بالصحراء من أمثال بعض العمال و الولاة ،ومسؤولي الإنعاش الوطني ومدراء بعض المؤسسات العمومية بالصحراء ووكالات التنمية، وأموال المبادرة الوطنية للتنمية البشرية.
 
السؤال المطروح الآن وعلى الضوء النتائج الأخيرة للانتخابات وفوز حزب العدالة والتنمية و التصريحات المتتالية لأمينه العام حول الحكامة ومحاربة الفساد و الريع ، هو هل سيتمكن بنكيران، رئيس الحكومة، من الوفاء بعهوده ويقطع دابر المفسدين بالصحراء ويعيد لمؤسسات الدولة دورها الطبيعي في الانصات للمواطن و تشخيص مشاكله و حلها قدر الإمكان ، أم سيترك الباب مفتوحا أمام السماسرة و المفسدين للمتاجرة بمصائر العباد بدون وجه حق.