قال عبد الإله بنكيران، رئيس الحكومة، في حديث لأسبوعية “لوبسيرفاتور دي ماروك” كما نقلته وكالة الأنباء الرسمية، إن هدف الحكومة هو التأكد من أن “مالكي رخص الصيد بأعالي البحار يؤدون الضرائب والتكاليف الاجتماعية”. ما يعني أن بنكيران يعلن رسميا تراجعه عن كشف أسماء المستفيدين من استغلال هذه الرخص التي تذر على أصحابها أرباحا خيالية، وأنه سيكتفي فقط بـ”التأكد مما إذا كانوا يؤدون الضرائب والتكاليف الاجتماعية”. مع العلم أن بنكيران لم ينهج نفس الطريقة في التعامل مع مالكي رخص النقل الطرقي ولم يهتم بالتأكد مما إذا كانوا فقط يؤدون الضرائب والتكاليف الاجتماعية، حينما أذن لوزيره في التجهيز والنقل بنشر أسماء هؤلاء المستفيدين. تراجع يطرح أسئلة حول الأهداف الحقيقية التي جعلت حكومة بنكيران تستقوي على فنانين ورياضيين ومواطنين عاديين حين نشرت أسماءهم ضمن لائحة المستفيدين من رخص النقل الطرقي إلى جانب الجلادين المطلوبين للعدالة وبعض الشخصيات العسكرية والسياسية. لماذا لم تكتفي الحكومة بالتأكد مما إذا كانوا يؤدون الضرائب والتكاليف الاجتماعية فقط؟ لماذا لا تعمم نفس النهج في تعاملها مع ملاكي رخص الصيد في أعالي البحار ومقالع الرمال والحجارة وغيرها من الثروات فتنشر أسماءهم، دون أن يمنعها ذلك من التأكد مما إذا كانوا يؤدون الضرائب والتكاليف الاجتماعية؟ أم أن الحكومة خضعت لضغوطات فوق طاقتها من طرف مالكي رخص الصيد في أعالي البحار تجعلها تتراجع عن كشف أسمائهم وتكتفي بمحاولة إصلاح هذا القطاع بدء بالتأكد مما إذا كانوا يؤدون الضرائب والتكاليف الاجتماعية؟ كيف يعقل أن يرضخ بنكيران لهذه الضغوط، إن وجدت، وهو الذي ما فتئ يؤكد أنه يحظى بكامل الدعم الملكي فضلا عن الصلاحيات الدستورية الهامة التي يملكها وحكومته وأعضاء فرق الأغلبية بمجلس النواب؟ ما يرجح احتمال أن الحكومة إنما أردات تحقيق أهداف انتخابية أو تلميع صورتها من خلال نشر أسماء المستفيدين من رخص النقل هو التصريح الذي أدلى به عبد العزيز الرباح في حواره مع جريدة المساء يوم الجمعة 9 مارس الجاري. يقول الرباح، كما نقلت ذلك وكالة الأنباء الرسمية، إن “النبش في حقيقة الذين استفادوا من مأذونيات النقل مضيعة الوقت”! ومعلوم أن حقيقة المستفيدين التي يرى الرباح أن النبش فيها مضيعة للوقت تشمل أساسا أؤلئك الذين يستغلون رخصهم في إطار شركات لا تظهر أسماؤهم في اللائحة التي نشرها، خلافا لأسماء الرياضيين والفنانين. من التناقضات الغريبة التي حملتها تصريحات بنكيران حول هذا الموضوع، تأكيده في نفس الحوار على أن نشر اللوائح يعد مطلبا مجتمعيا٬ مبرزا أنه “في مرحلة ثانية٬ سيتم إخضاع عملية منح هذه الرخص لدفتر تحملات”. غير أن رئيس الحكومة لا يوضح المغزى من التفريق بين مرحلة أولى يقتصر فيها على نشر لوائح المستفيدين من رخص النقل الطرقي فقط، ومرحلة ثانية سيتم فيها إخضاع عملية منح الرخص هاته لدفاتر التحملات. كما أنه لا يقدم أي تفسير للأسباب التي جعلت حكومته تسرع سرعة البرق في نشر لوائح رخص النقل الطرقي، ثم تمسك عن نشر باقي اللوائح، وكأن أسماء المستفيدين من الرخص الأخرى فعلا “سر من أسرار الدولة” لا يملك بنكيران الاطلاع عليه وتعميمه. كذلك لا يقدم الرجل أي تفسير منطقي لدواعي عزل عملية النشر الأولى عن سياقها الطبيعي المتمثل في إخراج مشروع قانون يضمن تحرير القطاع، ولا يعطي أية معلومات عن مصير مشروع القانون الذي أعد سنة 2002 لتحرير قطاع استغلال مقالع الرمال دون أن تصدر مراسيمه التطبيقية، وما إذا كانت الحكومة لا تملك ما يكفي من الوقت لإصدار هذه المراسيم أو أنها غير مقتنعة بهذا القانون أساسا.