عمر السعيد ـ كود//

قبل ما يولي كيليز واحد من أكثر أحياء مراكش حركة، بالعمارات ديالو، والفنادق، والمقاهي والمحلات، كان فضاء مختلف. حي جديد خرج من زمن الحماية، وتبنى فيه عالم آخر خارج أسوار المدينة العتيقة: فيلات واسعة، حدائق، شوارع فسيحة، وإقامات كانت كتجمع الفرنسيين والأوروبيين مع مغاربة اختارو يسكنو فمراكش الجديدة.

فداك كيليز القديم، ما كانتش الفيلا غير دار. كانت عندها حديقة، والحديقة عندها شجرة وظل وذاكرة. وكانت بعض المطاعم والمقاهي جزء من هاد النمط الجديد ديال العيش، فين الأكل والشراب واللقاء الاجتماعي ولى عندو فضاء خاص به، مختلف على مقاهي المدينة القديمة وحوانتها.
ومن بين هاد العناوين، بقات “لا تافيرن” كتشد في الماضي. مقابلة لسينما كوليزي، فشارع محمد الزرقطوني، كتحضر بحال واحد الناجي من كيليز آخر. مطعم قديم، بحديقة داخلية فيها الطوابل والكراسي، ومطبخ كيجمع بين الفرنسي والمغربي. المكان ما كانش محتاج للضجيج باش يفرض راسو، كانت كافية ريحة الماكلة وهي خارجة من المطبخ.


كانت “لا تافيرن” كتستقبل مراكشيين، ومغاربة جايين من مدن أخرى، وأجانب، خصوصا الفرنسيين اللي عاشو فمراكش أو اختارو يستقرو فيها. ولكن كان عندها وجه آخر أكثر شعبية: بار مستقل وأرخص من المطعم، كيجيه اللي باغي غير يشرب شي حاجة ويجلس شوية، بلا ما يدخل فتكلفة العشاء ولا فبروتوكول المطعم.
ومن هنا كتحكى واحدة من قصص المكان. واحد من الأغنياء كان من الكليان الأوفياء لـ”لا تافيرن”. منين تبدلات أحوالو وفْلَس، ما بقا قادر على المطعم، ولكن ما قدرش يبعد عليه. ولى كيقصد البار الشعبي، أقل كلفة، غير باش يبقى قريب من المكان، ومن ريحة الماكلة اللي كانت كتجمع فمطبخها بين النكهة الفرنسية والذوق المغربي.


يمكن تكون الحكاية من داك النوع اللي كيتناقلوه الناس أكثر مما كيتوقو منو، ولكن قيمتها ماشي فواش وقعات بالضبط، وإنما فشنو كتقول على المكان: “لا تافيرن” كانت قادرة تجمع الغني واللي ضيَّع فلوسو، الأجنبي والمراكشي، المطعم والبار، الفرنسي والمغربي فطبق واحد وحي واحد.
أما كيليز، فكان كيتبدل ببطء، ومن بعد تبدل بسرعة. الفيلات اللي كانت كتفتح على الحدائق بدات كتختفي، والأسوار القصيرة ولات واجهات إسمنتية، والعمارات طلعات فبلاصتها. كل جرافة كانت كتحيَّد جزء من صورة كيليز الأول، وكل عمارة جديدة كانت كتزيد كتقطع الصلة بين الحي وذاكرته.
دابا، “لا تافيرن” باقية وسط هاد التحول، ولكن وجودها ما بقاش مضمون. المكان اللي فيه حديقة، وبار، ومطبخ، وذاكرة طويلة، يقدر في أي لحظة يلقى راسو قدام جرافة ما كتعرفش قيمة الحكايات. الجرافة بالنسبة ليها غير بناية قديمة، أما بالنسبة للي عرف كيليز، فهي جزء من حي كامل كيمشي بشوية بشوية.


ربما لهذا السبب بالذات، كتولي سينما كوليزي اللي مقابلة لـ”لا تافيرن” أكثر من مجرد سينما قديمة. بجوجهم باقيين كيشوفو بعضياتهم من الجهتين، بحال جوج شهود على كيليز اللي كان: كيليز ديال الفيلات، والحدائق، والفرنسيين، والمراكشيين، والبارات الصغيرة، والمطاعم اللي كانت ريحتها كتسبق الباب.
إيلا مشات “لا تافيرن” شي نهار، غادي يبقى السؤال: شكون غادي يحكي على داك كيليز؟ يمكن تبقى غير صورة قديمة، أو حكاية زبون مفلس، أو اسم سينما مقابلة، أو حتى ريحة ماكلة كتدوز من الذاكرة وتختفي.
حيت المدن ما كتموتش ملي كتهدم بناياتها فقط، كتموت أكثر ملي كتضيع الحكايات ديالها.