حميد زيد – كود//

باب بيت أمي

“”
“”

كان بيت أمي مفتوحا دائما.

ولم نكن نحن أولادها ننتبه إلى ذلك.

لم يكن يبدو لنا الأمر غريبا. إلى أن صار الأصدقاء يتذكرونه . بعد أن سمعوا بخبر وفاتها.

نعم. كان باب بيت أمي مفتوحا دائما.

كان مواربا بالأحرى.

ويكفي أن تدفعه وها أنت في البيت. وفي المطبخ.

وفي المرق الذي أعدته.

و في براد الشاي الذي لا يفرغ.

وها أنت وسط العائلة.

كان باب بيت أمي مفتوحا دائما مثل قلبها.

****
****
****

فاتح ماي

“”
“”

مهما استيقظت باكرا أجدها غادرت المنزل.

فهذا اليوم لها.

هذا اليوم تخرج صباحا لتحتفل مع عمال المغرب.

هذا اليوم، ومهما حاولتِ فيه أن أذهب معها. فإنها تستيقظ قبل الجميع وتنسحب دون أن يسمعها أحد.

هذا اليوم مخصص لها. فلا تطبخ فيه. ولا نراها.

هذا اليوم هو عيدها.

وتخرج فيه وحدها. مع نقابة نفسها. ومع شغيلة روحها.

في كل فاتح ماي أبحث عن أمي ولا أعثر عليها.

وفي المساء تعود

في المساء تعود أمي بعد أن أدت واجبها حاملة معها الحلوى ومفاجآت كثيرة.

لي. ولمريم. لأننا الأصغر.

في كل فاتح ماي تركب الحافلة وتذهب إلى”المدينة”.

إلى أن أصبحت غير قادرة على الحركة.

وحينها صارت تشتم زعماء النقابات ووزراء الحكومة.

وكلما ظهر رئيس حكومة جديد تتخصص في السخرية منه.

لذلك أنا هي.

أنا أحياني أراني أشبهها.

****
*****
*****

تنتظرني دائما إلى أن أعود

“”
“”

دائما في الليل.

كانت دائما في الليل. تقف. خارج البيت. وقرب الباب. في الطريق. طريق الرباط. تنتظر عودتي.

دائما.

دائما. كانت. وما زالت. دائما. دائما. تنتظرني .

دائما سأظل أعود إليها.

دائما أراها أكثر من أي وقت سابق.

***
***
****

لا تظنوا

“”
“”

يظن كل الذين عرفوها أن أولادها أثروا فيها.

يظنون أن اهتمامها بالسياسة راجع إلى أبنائها.

يظنون أن قوة شخصيتها. ومواقفها. وجرأتها. ومعرفتها الدقيقة بالأحزاب. وبما يحدث في العالم. كان بسبب الوسط الذي عاشت فيه.

بينما لا.

بينما هذا ليس صحيحا.

بينما هي التي علمتنا. هي التي وضعت بعضا من شخصيتها في كل واحد منا.

***
***
***

إنها معي الآن

“”
“”

لقد عادت أمي.

بعد موتها بأيام عادت أمي كما كانت.

عادت إلي حية.

وعاد معها كل الماضي. وكل طفولتي. وكل شيء.

بعد أربعة أو خمسة أيام صارت كل حياتي معروضة أمامي.

إنها معي الآن حياتي كلها/أمي.

وأتذكرها.

ولأول مرة أحس بالفقد.

لأول مرة أستوعب ما وقع.

وتمر أمامي كل الصور وكل الذكريات وكل الحياة.

****
***
****

حتى القطط

“”
“”

كل الأصدقاء.

كل من جاؤوا إلى بيتنا في عين السبع وتعرفوا عليها أحبوها.

أبناء المارشي.

كل من تحدث إليها. البقال. بائع الخضروات. الجيران. الأقارب. كلهم يتذكرون شخصيتها.

وحتى القطط في البيت كانت تحبها. وتتحدث إليها.

والدجاج.

والكلبة.

والأشياء

حتى الأشياء. أشياؤها. تتذكر الآن أمي.

***
***
***

ضد السلطة

“”
“”

كانت لها حساسية مفرطة من السلطة.

وكان القايد

والمقدم

والأثرياء

كانوا دائما “ضحية” لها.

***
***
***

أشياء أمي

“”
“”

الصرة. البلوزات الوجدية. ما علق فوق الدولاب. الحبق. أصص الغنباز. مولاي عين السبع. الكتب. الجدار المشقوق في الدار. جذور شجرة التين. الحوض. المراح. البّيتة. شجرة التوت قربة محطة وقوف الخط 33. مايا. روزا. لويزة. المارشي لخضر. السقاية. طريق تيزي وسلي في اتجاه صديقاتها الفكيكيات.

كل هذه الأشياء والكائنات.

كل هذه الأرواح

يتملكها الآن الحزن. وتحكي عن أمي.

****
****
****

كم كانت متضامنة معنا

“”
“”

كم أتعبناها بالغناء الملتزم. وبالإيديولوجيات. وبالهم. وبالشعارات. وباليقين.

و كم تحملت كل ذلك بقدرة خارقة على السخرية من كل ما كنا نقوم به.

كم كانت أكثر منا نضجا.

كم كانت متضامنة.

كم تبنت قضايا وأفكار ومشاغل كل واحد منا.

كم كانت حاضرة.

كم كانت مؤثرة في كل من عاش معها. وفي كل من عرفها في فترة من الفترات.

****
****
****

بيضاء عاشت

“”
“”

بيضاء.

كانت أكثر بياضا منا جميعا.

وقبل ظهور الفيغان. والكينوا.

كان طعامها الحليب والأرز.

دائما لنا اللحم.

بينما تكتفي هي بالأرز بالحليب.

بيضاء

بيضاء.

عاشت بيضاء.

وتوفيت بيضاء.

****
***
***

مصدر كل شيء

“”
“”

مرة لم يجد مناضل من وسيلة للنيل مني إلا أن كتب عن أمي وعن كونها مصدر أخباري الوحيد.

وكم كان محقا

وكم أنصفني وهو لا يدري.

كم كان دقيقا وهو ينقل ما سمعه

كم كان بارعا وهو يتحرى من أكون

وحتى بعد وفاتها

فإنها ستبقى كذلك

مصدر كل شيء بالنسبة إلي.

***
***
***

أسمعها الآن

“”
“”

أراها الآن تسألني عن أحوالي.

أراها منشغلة بأولادها. وأسمعها تطمئن علي.

***
***
***

تعازي إلى أبنائك

“”
“”

كنتُ صديقك أمي.

تعازي لأبنائك فرانسوا. محمد. حسن. رجاء. أمينة…

وكل الذين مروا من بيتنا

وكل الذين جلسوا إليك

وكل من يحكون عنك.

تعازي لهم واحدا واحدا.

***
***
***

من عاداتك/عاداتنا أننا لا نتقن فن إشهار الحب.

ونحب دون أن نصرح بذلك.

نحب دون أن نعلن ذلك.

نحب بتكتم.

نحب دون أن ننطق بهذه الكلمة.

نحب بخجل.

وكم كنت قادرة على منحنا كل الحب دون أن نسمع هذه الكلمة.

وكم هي الكتابة نافعة في مثل هذه اللحظات.

كم تجعلني أحبك.

كم تجعلني قادرا على النطق بهذه الكلمة.

****
****

زيارة

“”
“”

كيف حالك حميد.

أنا بخير أمي.