الدستور ليس زر مصباح، سنضغط عليه يوم الجمعة فاتح من يوليوز، ليعم النور جميع البلاد….و الدستور ليس وثيقة فحسب، صفارة بداية الاشتغال والأشغال كي نبني وطن من جديد، و كأننا قدمنا من شتات العالم، و سنستوطن منذ البداية، أرض أمازيغ، و نؤسس الدولة و البل….
الدستور، أو لحظة الدستور، صيرورة مجتمعية،تنعكس فيها مجمل علامات الزمن الاجتماعي، زوايا تقدمه، و مكامن تخلفه، أميته و إمساكه بتلابيب العلم، ديمقراطيته و انتكاساته الحقوقية،بدوية سكان الوطن الذي يحتكم لذات الدستور،و مدنية نخبه السياسية و الثقافية….الدستور أفق لمعنى الوطن و الدولة و المواطن….
حين تكون الوثيقة مفصولة عن صيرورة الزمن و الأرض،تحدث شقوق في المعنى…و في الوعي…سلبا و إيجابا….لا نؤسس لديمقراطية هادفة وسط شعب تغلب على مواطنيه الأمية….لا تستقيم إسلامية الدولة ،وسط شعب انصهرت فيه كل الإثنياث بكل الأديان التي اخترقتها عموديا و أفقيا،و أسس لقواعد تعايش مدنية،يحكمها العرف و الأخلاق و القانون…و يبقى الدين شانا شخصيا بامتياز، لا يحدد العلاقات و لا التكتلات…
تأملات تستحضرني،و هذا السعار المؤسس على الوهم يكاد ينقضي،الحملة من أجل الدستور و ضد الذات،و ما يواكبها من فعل سياسي،يؤبد للوثيقة القديمة، و لا يستعيد شيئا من روح الوثيقة الوليدة…..
تستحضرني ذات التأملات، حين أعلق على التعيينات الملكية، في الوظائف السامية، التي يحدد الدستور المقبل،شروطها و إمكانياتها، خاصة في المرحلة الفاصلة بين الإعلان عن مضامين الدستور و لحظة اعتماده استفتاءا، و هي لا تتجاوز الأسبوعين،فيجيبني الصدى، أن الجمعة ،فاتح يوليوز هو زر الضغط على المصباح، و أنه لا فاعل سياسي ملزم بالتقيد بالوثيقة الوليدة….و كأن هناك تدافع لتسييج مواقع و تحصين مصالح قبل حلول سيف الدستور على الرقاب….كأن الوكالة المغربية للأنباء ستنفجر، إن تم تعيين مديرها لما بعد الاستفتاء…و عن طريق الآليات التي يحددها الدستور الجديد…
تستحضرني ذات التأملات، و أنا أتحسس جراح أحداث خريبكة في الخامس عشر من مارس،و هي تشفى على تقيح و دمامل كريهة…دون أن يصدر التقرير البطئ للمجلس الوطني لحقوق الإنسان، و دون أن تحدد المسؤوليات عن الضرب و الجرح الذي تعرض له المعتصمون بإدارة المكتب الشريف للفوسفاط….في انتظار أن ننسى…
تستحضرني ذات التأملات، و التخثر يتسرب لدم كمال العماري ، يجف دمه على التراب، رغم كل المؤشرات التي أبانت عن ضلوع قوات القمع في إزهاق روحه، من شهادات و ووقائع، و من تقارير لعل آخرها ما أصدره الوسيط و المركز، دون أن يحال احد على المحاسبة، السياسية أو القانونية، و روح الدستور الجديد، تتحدث عن تدبير القرار الأمني، و عن الحق في الحياة، و عن تجريم الاختطاف و الاغتيال ، أم للمفارقة، كان على كمال العماري أن يستشهد بعد الفاتح من يوليوز؟؟؟
هي العلاقة بين الوثيقة و الأرض التي ستنبث فوقها، ما يعطيها شرعية الزهر،و ما يجعل من تملكها مؤشرا لحداثة المجتمع الذي يمتثل لضوابطها،نصوصا و روحا،في أعراف و سلوكات تنبئ على صيرورة الدمقرطة المجتمعية،ثم في بلورة مشاريع نصوص تعكس ذات الدمقرطة كصيرورة دائما و أخيرا في تبنيها كقوانين أو دساتير….
دون ذلك، لنا من الوثائق ما يطهر كل الأدران، نباهي بها الأمم و الدول في المحافل العالمية، و نخرقها بإسم الخصوصية، و بإسم عدم جاهزية المجتمع لتملكها….