صحيفة الناس -عدد غد الثلاثاء -مصطفى الفن-

تلقى كاتب هذه السطور دعوة لزيارة بلد الراحل الشيخ زايد، الذي ارتبط اسمه في الوعي الجماعي للمغاربة بالعديد من المشاريع الاجتماعية والخيرية التي شيدها في أكثر من مدينة مغربية. وكان منتظرا أن أكون اليوم في “أبو ظبي”، غير أن ظروفا طارئة حالت دون هذه الزيارة، لكنّ الأهم من هذا كله هو أن أشرككم في بعض التأملات التي تخصّ العلاقات المغربية -الإماراتية عقب حديث ودي مع بعض الأصدقاء الإماراتيين.

نعم، ينبغي الاعتراف بأن دولة الإمارات قامت بعدّة أدوار نوعية من غير ضجيج تحسب لصالح المغرب في الآونة الأخيرة، عكست بحق مستوى العلاقات المتينة التي كانت دائما تربط البلدين.

أول هذه الأدوار أن الإمارات بذلت جهدا واضحا في تخفيف الضغط على المغرب في قضية وصول إسلاميي العدالة والتنمية إلى السلطة؛ فقد وجد المغرب نفسه في وضع لا يحسد عليه مع خريف الديمقراطية في الوطن العربي، ورفض الانخراط في مجاراة موجة التراجع الديمقراطي لإسقاط الإسلاميين من الحكم، لأن خطوة من هذا النوع ستكلفه الكثير من سمعته وصورته في الخارج، بل إنها ستمسّ بنموذجه الديمقراطي في المنطقة، الذي يعدّ نقطة قوته الأساسية في التفاوض مع شركائه وفي دفاعه عن مصالحه الوطنية.

أكثر من هذا، فالمغرب لم يكن يملك أوراقا كثيرة لمواجهة الضغوط الدولية والإقليمية التي كانت تطالب برؤوس الإسلاميين، لكنّ دولة الإمارات العربية المتحدة قامت بدور نوعي في تفسير حالة الاستثناء التي يعيشها المغرب بالتركيز، من جهة، على ضمانة الدولة والمؤسسة الملكية، ومن جهة أخرى، بالرهان على نضج إسلاميي المغرب واختلافهم عن إسلاميي “الإخوان المسلمين” في مصر وفي باقي الدول العربية.

ولم تقف الأمور عند هذا الحد، إذ يحسب للإمارات أنها طرحت نفسها كوسيط بين الرباط وقصر المرادية لعلها تساهم في تهدئة التوتر على الحدود المغربية -الجزائرية بعد حادث إطلاق الجيش الجزائري النار على مواطنين مغاربة في الحدود الشرقية. وكانت الإمارات تهدف من خلال هذه الوساطة إلى إقناع الجزائر بأنّ المستفيد الأكبر من حربها مع المغرب هو التنظيمات المُتطرّفة التي تنشط في المنطقة وتتغذى من توسع نقط التوتر.

وهناك دور آخر مهمّ يُحسَب للإمارات في علاقتها المتينة مع الرباط، ويظهر هذا الدور من خلال الثقة في الكفاءة العسكرية والأمنية المغربية وتفضيلها على ما سواها في مساعدة دولة الإمارات على مواجهة التحديات الأمنية التي تتهددها، إذ سيوجه المغرب -بمقتضى تعليمات ملكية- دعما عسكريا وأمنيا لمساعدة الإمارات على مواجهة الإرهاب.

أما الدور الرابع فيتمثل في الجهود التي تبذلها الإمارات لفتح الأسواق الخليجية في وجه الصادرات الفلاحية المغربية، إذ أبرِمت العديد من الاتفاقيات في المعرض التجاري الدولي للخضر والفواكه في الشرق الأوسط بدبي في هذا الاتجاه؛ وهو ما يمثل متنفسا جديدا للفلاحة المغربية، التي عانت كثيرا بسبب التضييق الأوربي، فتوسعت رئتها في السوق الروسية أولا ثم في الأسواق الخليجية، التي لعبت الإمارات دورا أساسيا في فتحها في وجه المغرب.

والواقع أن هذه الأدوار النوعية تبين أن مستوى العلاقات المغربية -الإماراتية بدأ يأخذ أبعادا إستراتيجية، بل بدأ يتجاوز الأساس التقليدي الذي ارتهنت إليه هذه العلاقات. فلم يعد المغرب مجرد بلد يستجدي المساعدات الخليجية للنهوض باقتصاده، بل صار حليفا موثوقا به، وصار يُعتمَد على كفاءته وفعاليته ويستعان بخبرته في مواجهة الإرهاب خارج حدوده، وأضحت تجربته ونموذجه الديمقراطي موضع احترام، كما أصبحت العلاقة تبادلية تدار بمنطق “رابح -رابح”.

صحيح أن المغرب لا يزال يرتهن إلى المنطق التقليدي في علاقته بدول الخليج ولا يزال ينتظر تقديم دول مجلس التعاون الخليجي لتعهداتها المالية تجاهه، لكن التطورات المتسارعة التي تعرفها منطقة الشرق الأوسط والتهديدات الإقليمية التي تواجهها دول الخليج، سواء تعلق الأمر بتوسع الهلال الشيعي الإيراني أو بالتهديدات الإرهابية، ساعدت المغرب على تغيير رهاناته في بناء العلاقات الخارجية مع الخليج وتثمين نقط قوته واستثمارها في تعزيز التعاون مع هذه البلدان ونقل مستواها إلى علاقات ندية تتكافأ فيها درجة المصالح المشتركة. ولعلّ هذا بالتحديد ما يفسر الأدوار النوعية التي تؤديها دولة الإمارات لصالح المغرب، ففي العلاقات الخارجية لا مصلحة تأتي من فراغ، فالمغرب أظهر من خلال كفاءته وخبرته أنه حليف موثوق به وأنه يستطيع أن يفعل الكثير لدول الخليج، وأنّ ثمن ذلك أو شرطه هو التفكير الجدي في تلبية مصالحه الحيوية.