بقلم مهدي عقبائي‌ کاتب إيراني‌ وعضو في‌ المجلس الوطني‌ للمقاومة الإيرانیة //

بعد مرور خمسة عشر يومًا كاملة على اندلاع الانتفاضة الشعبية في إيران، بات من الواضح أننا أمام محطة مفصلية جديدة في التاريخ المعاصر لهذا البلد. إن مراجعة البيانات التسعة والثلاثين الصادرة عن المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية تكشف صورة شاملة عن عمق هذه الانتفاضة واتساعها وطابعها الحقيقي: انتفاضة وطنية شاملة، متجذّرة وواعية، لا يمكن اختزالها في احتجاجات عابرة، بل تعبّر عن إرادة جماعية لإسقاط نظام قائم على القمع والاستبداد.

خلال هذه الأيام الخمسة عشر، امتدت شرارة الانتفاضة إلى أكثر من 190 مدينة في مختلف أنحاء إيران، وكانت طهران وحدها مسرحًا لمئات نقاط المواجهة والتظاهرات والاشتباكات. من طهران ومشهد وأصفهان وشيراز، إلى إيذه ولردكان وكرمانشاه وسنندج وتبريز وزاهدان، دوّى صوت واحد واضح: «الموت للديكتاتور» و«الموت للظالم، سواء كان الشاه أم المرشد». هذه الشعارات تعبّر بجلاء عن وعي الشعب الإيراني الذي لا يطالب فقط بإنهاء الديكتاتورية الدينية، بل يرفض أيضًا أي محاولة لإعادة إنتاج الاستبداد بصيغة أخرى أو باسم مختلف.

أن الانتفاضة دخلت مراحل نوعية متقدمة، تمثلت في السيطرة على مبانٍ حكومية، وإحراق مراكز القمع، وتدمير قواعد الباسيج والحرس، وظهور أحياء محرَّرة، إلى جانب الإضرابات الواسعة في الأسواق وانضمام الطلبة والعمال وشرائح اجتماعية مختلفة إلى ساحة المواجهة. وفي المقابل، لجأ النظام إلى قطع الإنترنت بشكل كامل، وإطلاق النار الحي على المتظاهرين، وتنفيذ حملات اعتقال واسعة، مصحوبة بتهديدات علنية، كاشفًا عن طبيعته القمعية العارية. ومع ذلك، لم تنكسر الانتفاضة، بل ازدادت رسوخًا واتساعًا يومًا بعد يوم.

لقد كان ثمن هذه المواجهة باهظًا. فقد سقط عشرات الشهداء، من بينهم فتيان وفتيات في سن الرابعة عشرة والخامسة عشرة، إضافة إلى نساء ورجال من مختلف الأعمار. إن أسماء هؤلاء الشهداء، من لردكان وجناران إلى أزنا وإيذه وقم، تؤكد أن هذه الانتفاضة ليست حراك فئة أو منطقة بعينها، بل صرخة أمة بأكملها قررت أن تنتزع حريتها مهما كان الثمن.

وفي خضم هذه التطورات، يبرز السؤال الجوهري: من هو البديل؟ إن التجربة التاريخية في إيران وفي العالم تؤكد أن البديل الحقيقي لا يُصنع في الفراغ، ولا يُستورد من الخارج، بل يتشكّل في قلب المجتمع ومن خلال النضال والتنظيم والتضحية. وفي هذا السياق، يطرح المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية نفسه كبديل سياسي، استنادًا إلى أكثر من أربعة عقود من النضال المستمر ضد ديكتاتوريتي الشاه والملالي، وإلى برنامج واضح يقوم على فصل الدين عن الدولة، وإقامة جمهورية قائمة على إرادة الشعب، والمساواة بين المرأة والرجل، وضمان حقوق القوميات والأديان، وبناء إيران غير نووية.

على عكس التيارات التي تظهر فقط في لحظات الأزمات، فإن هذا المجلس قدّم على مدى أربعين عامًا آلاف الشهداء والمعتقلين، وتحمل القمع والملاحقة، وبنى شبكة مقاومة متجذّرة داخل المجتمع. إن ارتباطه العملي بالانتفاضة، من خلال شبكات المقاومة وكوادره داخل البلاد، يثبت أن الحديث عن بديل حقيقي ليس شعارًا إعلاميًا، بل واقعًا ملموسًا على الأرض.

في المقابل، تحاول بعض الأطراف الترويج لعودة النظام الشاه عبر إعادة طرح اسم بهلوي. غير أن الواقع السياسي والاجتماعي في إيران واضح: لا شعب يعود إلى الوراء. فالمجتمع الإيراني اليوم شابّ، واعٍ، ومجروح بتجارب الاستبداد، ولا يطلب سوى الحرية والكرامة وحق الاختيار. إن استبدال ديكتاتورية دينية بديكتاتورية وراثية، مهما تغيّرت واجهتها، هو أمر يرفضه الشعب الإيراني بوضوح، كما تعكسه شعارات الانتفاضة في الشوارع.

ثم إن البديل الذي عاش لعقود خارج بعيدًا عن معاناة الناس اليومية ونضالهم، لا يمكنه أن يدّعي تمثيل انتفاضة تُكتب فصولها كل ليلة بالدم والتضحيات داخل إيران. فالبديل الحقيقي يولد من رحم الانتفاضة نفسها، من عزيمة الشباب في الأحياء والجامعات، ومن صمود الأمهات والآباء الذين قدّموا أبناءهم على طريق الحرية.

لقد أثبتت الأيام الخمسة عشر الماضية أن ميزان القوى في إيران بدأ يتغيّر. فالنظام، رغم امتلاكه كل أدوات القمع، يواجه شعبًا كسر حاجز الخوف ولم يعد ينخدع بالوعود أو التهديدات. إن هذه الانتفاضة ليست نهاية الطريق، بل بداية مرحلة جديدة، تتبلور فيها ملامح إيران المستقبل من داخل المجتمع ومن خلال نضال طويل ومكلف، لا من خلال مشاريع مفروضة من الخارج.