الرئيسية > آراء > المجتمع والاوبئة. اش نو اللي تبدل وشكون اللي بقى فوظيفة المخزن
07/04/2020 12:15 آراء

المجتمع والاوبئة. اش نو اللي تبدل وشكون اللي بقى فوظيفة المخزن

المجتمع والاوبئة. اش نو اللي تبدل وشكون اللي بقى فوظيفة المخزن

عبد الله ترابي ترجمه عن الفرنسية فؤاد عليلش و قد نشر في موقع Medias 24 ///

ارتبط تاريخ المغرب بتعاقب موجات متتالية من الأوبئة، ففي مؤلفه “وصف إفريقيا”، يحكي المؤرخ حسن الوزان و الذي عاش في القرن السادس عشر، بأن أوبئة مرعبة كانت تجتاح المغرب بشكل دوري كل خمسة عشر سنة، و وصف الكثير من المؤرخين المغاربة بإسهاب الآلام التي تكبدها أجدادنا خلال عصور مظلمة أنهكهم فيها لانتشار العدوى والموت. .

فطاعون سنة 1799 مثلا كان قد أفرغ البلاد من ساكنتها خصوصا في المدن الكبرى، فمراكش وفاس فقدتا على التوالي ما يقارب 83 % و54% من أبنائها، بينما اندثرت العديد من القرى بأكملها ،

وفي القرن التاسع عشر عرف المغرب خمس موجات عنيفة من داء الكوليرا، كان من نتائجها إضعاف المغرب على المستوى الديمغرافي والاقتصادي. وقد حكى المسافرون الأوربيون الذين عبروا المغرب خلال هذه الفترة، على أن العديد من السهول ورغم خصوبتها، كسهل دكالة، كانت خالية من السكان، وأنهم كانوا يتنقلون خلال مسافات طويلة ولعدة أيام دون ان يصادفوا شخصًا واحدًا ، وبالنسبة للعديد من المؤرخين، فإن هذا الحضور المتتابع للأوبئة في المغرب، كان أحد العوامل التي جعلت البلاد هشة وقابلة للاستعمار.

وظيفة مخزنية منسية

كلمة “المخزن” والتي تصف الدولة كسلطة في أيامنا الحالية، مرتبطة بكيفية تدبير الدولة للأوبئة والكوارث في القرون السابقة.
فالمخزن اشتقاقا يحيل إلى افعال الادخار و الكنز و الاحتفاظ بمال أو طعام أو ذخيرة، و كلمة مخزن باللغة العربية هي أصل الكلمة الفرنسية (magasin )

مصطلح المخزن من أكثر المفاهيم إشكالية و إبهامًا في التاريخ السياسي المغربي، وقد يشير في نفس الوقت إلى تنظيم سياسي و اداري، طريقة حكم، تسلط اقتصادي، تشابك للمصالح، أيضا قوة قمع. لكن مخيالنا الجمعي لم يحتفظ من المخزن، إلا بالدلالة التي تعني التدبير الإداري والجانب القسري، لأسباب تاريخية و سياسية ليس هذا محل سردها.

غير أن من ضمن الوظائف التقليدية للمخزن التي طالها النسيان، بينما أن الاسم قد يكون دالا عليها، هي طريقة تدبير السنوات العجاف و زمن الكوارث.

هناك نص شهير للمؤرخ جرمان عياش،(و الذي كان أيضا مناضلا شيوعيا و مقاوما وطنيا )، حول وظيفة المخزن كًحَكٓم يفصل بين القبائل، حاول من خلاله الرد على الدراسات الاستعمارية ومن تأثر بها فيما بعد، و التي كانت لا ترى في المخزن الا نظاما فظا يعتمد على “العنف الدائم” بهدف نهب القبائل والاغتناء بطريقة طفيلية. في هذه الدراسة يجيب جرمان عياش بأن هذا النظام لم يكن له أن يستمر لمدة طويلة لو استند فقط على العنف كسند له، ويشرح بالاعتماد على وثائق تاريخية، أن المخزن كان يؤمن أيضا العديد من الوظائف الاجتماعية التي كانت تعزز مشروعيته وتجعله مقبولا حتى لدى الخارجين عن سلطته، ويسرد بعض المراجع الأوروبية القديمة التي كانت توضح بأنه في وقت الأوبئة وأزمنة الكحط، فإن المدن التي كانت تحت سيادة سلطة المخزن كانت تتعامل مع الوضع بشكل أفضل من القبائل التي لاتخضع لأي سلطة مركزية.

كما أن محمد أمين البزاز، صاحب كتاب “تاريخ الأوبئة و المجاعات في المغرب”، و هو من أهم المراجع حول هذا الموضوع ، فقد قدم إجابات تشرح هذه المسألة، حيث يقول أنه في فترات الجوع والمجاعة، وحفاظا على الأمن الاجتماعي، كان سلاطين المغرب يفتحون مخازن القمح والشعير وبعض المواد الغذائية الأخرى، التي كانت مخزنة خلال سنوات الرخاء والوفرة، ليقوموا بتوزيعها على الفقراء والمحتاجين.

يمكننا أن نجد نصوصًا كثيرة تؤكد على وجود هذه الوظيفة عند العديد من السلالات المغربية الحاكمة. سنورد مثالين من بين أمثلة عديدة، توثق لهذا الدور الذي اضطلع به المخزن المغربي في هذا المجال:

سنة 1219 قام السلطان الموحدي أحمد الناصر، بفتح مخازن الطعام أمام أفراد الشعب بعد المجاعة التي اجتاحت البلاد، حيث يصف ابن أبي زرع ذلك بقوله ” أمر الناصر بفتح المخازن المعدة لاختزان الطعام ففتحت للعامة و فرقت عليهم فذكر انها كانت بثمن للأقوياء و بغير ثمن للضعفاء”

. والمتال الثاني للسلطان مولاي اسماعيل الذي أمر سنة 1721، بتوزيع القمح على الفقراء والمحتاجين وكذلك على القبائل التي فرت من المجاعة نحو المدن.

إن هذا الدور التاريخي والمنسي والمتجسد في جمع الموراد خلال سنوات “البقرات السمان” وتوزيعها خلال سنوات “البقرات العجاف”، هي التي عاودت الظهور في هذه الأيام أمام جائحة فيروس كورونا، فالتدابير التي اتخذتها الدولة لصالح الفئات المعدمة والطبقات الاجتماعية الهشة التي أضعفتها الأزمة الحالية، يمكن أن تكون مناسبة لإعادة تأهيل هذه الدور التاريخي للمخزن والذي كانت تؤمنه بطريقة تقليدية السلطة المركزية في المغرب.

تعد مسألة إدراك انتشار العدوى وكيفية الوقاية منها من القضايا التاريخية التي يعاد طرحها في ظروف الحجر الصحي الحالي، فهذه القضية والتي تبدو اليوم من المسائل ذات الطبيعة العلمية والطبية، كانت في المغرب وإلى حدود بداية القرن العشرين، قضية دينية وغيبية فقط، فأغلبية الفقهاء المغاربة كانوا يعتقدون أن الأوبئة، ليست سوى تعبير عن الإرادة الإلهية، وحسب هذا التصور، فـإن الخالق يسلط الظواهر الطبيعية على عباده ليظهر غضبه عليهم أو ليختبر إيمانهم، ولا أحد ينبغي له الاعتراض على قضاء الله والعمل على الوقاية منه، فلا يملك المؤمن لكي يحمي نفسه من الطاعون سوى أن يتقبل قضاء الله و قدره.

هذا الطرح نجده مثلا، عند الصوفي التطواني ابن عجيبة، الذي ألف كتابا صغيرا في أواخر القرن الثامن عشر “سلك الدرر في ذكر القضاء و القدر”، يستنكر فيه الإجراءات المتخذة للحماية من الطاعون ، حيث كان لا يعترف بإمكانية انتقال العدوى بين الناس، فهو يرى أن الوباء من صناعة الله وأن العدوى تتنقل وفق إرادته، ولسخرية الأقدار، فقد فقد هذا الصوفي الكبير سنة 1799 كل أبنائه بسبب الطاعون، وسيلقى ابن عجيبة الموت سنوات فيما بعد نتيجة وباء اخر.

يلزم التأكيد أن هذا النوع من التمثلاث لم يكن خصوصية مغربية، بل تواجد كذلك عند أتباع الديانات المختلفة في العديد من الدول، إلا أنه رغم ذلك فإننا نجد أن أوروبا خلال القرن التاسع عشر اتخذت بعض التدابير الوقائية من الأوبئة، حيث كان يتم بشكل واسع إحداث مناطق للحجر الصحي، خصوصا في الموانئ، بينما كان المغرب خلال نفس الفترة منشغلا بجدالات بين أقلية من الفقهاء و التجار الذين كانوا يتمنون اتخاد هذه التدابير الصحية، وبالأخص ضد الكوليرا، وبين أغلبية الفقهاء الذين كانوا يرفضون اتخاد أي اجراءات وقائية.

فقد كان الفقهاء المغاربة في مجملهم رافضين تطبيق أي تدابير وقائية، لأنهم كانوا يعدّونها تعبيرا على الاعتراض على القضاء والقدر الإلهيين، فالمؤرخ أحمد الناصري، ورغم علمه و موقعه الاجتماعي المتميز، فكان يرى أن تطبيق هذه الإجراءات الموصى بها من طرف الأوروبين بمثابة تبني لأخلاق الكفار ومنحهم الشرعية و التقدير حيث وصف ذلك ب” التربي بزي الكفرة و الضلال و رمقهم بعين التعظيم و نسبتهم إلى الإصابة و الحكمة”.

كما أن السلطان مولاي الحسن سنة 1878 بعث برسالة شديدة اللهجة يعنف فيها بركاش باشا مدينة طنجة ويوبخه لإنه اتخذ عدة تدابير وقائية و صحية لحماية المدينة، فبحسب السلطان كانت تلك التدابير تتعارض مع تعاليم الدين الإسلامي.

هذه الرؤية الجبرية المتعلقة بالأوبئة وبطرق الوقاية منها تراجعت في بلادنا مع مرور الزمن، فالخطاب العلمي للأطباء اصبح مهيمنا و سائدا و صار الخطاب الديني يجري ورائه ليتكيف معه، باحثا في النصوص، خصوصا الحديث و السنة و تاريخ الصحابة، عن العناصر والأدلة الشرعية التي تتوافق مع الطرق الوقائية المملاة من طرف البحث العلمي. هذا التحول اصاب الحياة العادية للمغاربة و لتمثلاتهم، فالمغربي كفرد مسلم يمكنه إذا ما أحاط به وباء أن يصلي وأن يدعو الله، أن يبحث لأصل هذا الوباء عن معنى ديني، لكنه لكي يحمي نفسه و عائلته فإنه يلجأ إلى نصائح الأطباء أولا و قبل كل شيء، لا لما يعتقده الفقيه كما كان سابقا، في أزمنة كان فيها الخطاب الديني يعطي تفسيرا و حلًا لكل شيء، و له الكلمة الأولى و الأخيرة.

موضوعات أخرى