حميد زيد – كود//
المال ضروري للكاتب.
المال أيضا محفز للموهبة.
المال ملهِم.
المال له مفعول سحري.
بلى. يجب أن تختزل أي جائزة في جانبها المادي.
أما هذا الحديث عن”الجوانب الاعتبارية والمكانة المعنوية” لجائزة المغرب للكتاب فمحض هراء. وجهل بدور المال في مجال الثقافة والإبداع.
فالشاعر . والروائي. والمترجم. والناقد. في حاجة ماسة إلى المال. كي يبدع. وكي يستمر. وكي لا ييأس.
لكن معظمنا له نظرة بؤسوية للكاتب المغربي.
ونريده مفلسا. وفقيرا. وخاسرا دائما. و مضحيا.
نريده معنويا.
نريده مهتما بالروح. وبالخسارة.
نريده طاهرا. ونقيا. ولا يحتاج إلى المال.
نريده مبدعا لأدب بئيس وفقير.
نريده لا ماديا.
نريده غير مهتم بالمال.
نريده شحاذا نشفق عليه.
نريده أيضا مريضا. وميتا.
نريده مستدرا للعطف.
نريد أن نطوف به على المؤسسات ونستجدي به.
بينما الكل يريد أن يربح ونستثني الكاتب من ذلك.
ونسخر منه حين يطالب بجائزته كاملة غير منقوصة.
بينما متفقون جميعا. ويا للتناقض. على حشر الكاتب المغربي في وضعه البئيس هذا.
وعلى حرمانه من المال.
وعلى حرمانه من أن نثمن أعماله.
ومن أن تكون لها قيمة مادية. في حياة الكاتب. وقبل أن أن يغادرها.
نريد أن نشفق عليه.
نريد منه أن يعيش حسب تصورنا البدائي للكاتب.
بينما لا نهتم بالمال الذي يحصل عليه اللص.
لا نهتم بمال الفاسد.
ونستكثر على الكاتب جائزة مالية.
تستكثر عليه أن يربح.
ونعتبره مخلوقا لا يحتاج إلى المادة.
نعتبره كائنا يعيش في عالم لا مال فيه ولا إنفاق.
والمال يدنسه.
و لا يليق بالكاتب أن يحصل عليه.
وأن يكافأ به.
وربما هذا ما يفسر هذه الإشادة الجماعية بما قام به المهدي بنسعيد. وزير الشباب والثقافة.
حتى أن البعض شعر بالنشوة وهو يطلع على خبر سحب الجائزة. بعد أن اعترض الفائزون بها على اقتسام قيمتها المادية مناصفة.
وأغلبنا صفق للمهدي بنسعيد. الذي رفضت وزارته “اختزال الجائزة في قيمتها المادية”.
كما لو أننا ننتقم من الكاتب المغربي.
كما لو أننا نتشفى فيه.
كما لو أننا نقول له تستحق هذه الفضيحة التي أوقعت نفسك فيها.
وأي قيمة للجائزة. أي جائزة. أيها الوزير. إن لم تكن مادية.
فالمال هو قيمة الجوائز الوحيدة. وإن لم يتوفر. فلا تستحق الجوائز اسمها.
ولا تستحق أن تكون.
ويكذب من يتحدث عن أي قيمة أخرى.
وعندما يشارك فيها الواحد فليس بحثا عن المجد.
ليس من أجل المعنوي.
وليس من أجل الجانب الاعتباري.
فهناك من يستفيد من هذه الصورة المرسومة على الكاتب.
هناك من يكرسها.
هناك من يستغل الكاتب كي يكون دائما بالمجان.
ولا يمنحه أي تعويض.
وفي الصحافة. وفي الترجمة. وفي الإبداع. نريده دائما فابور.
ونقنعه أننا بذلك نقدم له خدمة.
والكاتب المغربي البسيط يساعد من يتعامل معه هذا التعامل. ويؤدي هذا الدور.
ويمنح نفسه مجانا.
ويكتب أدبا غير مربح.
أدبا يعول على الدولة كي تكافئه عليه.
أدبا لا قيمة مادية له.
لذلك هناك الآن من يلعب بالكاتب المغربي ويشفق عليه وهو يتنافس على جائزة المغرب.
وقد خُلق من أجل هذه الجائزة لوبيات ضغط. وشلل. وشبكات علاقات. وترضيات.
وهذا هو المشكل.
وهذه هي فضيحة جائزة المغرب للكتاب.
وهي تحولها إلى جائزة معروف من سيفوز بها في كل دورة.
وهي التحكم فيها من قبل المؤسسة الثقافية المغربية. واتحاداتها. وجمعياتها.
وهي تبادل الخدمات فيها. وفي هذه السنة لي. وفي السنة القادمة لك.
وهي لجنتها.
وهي التناوب عليها بين الكتاب.
وهي النضال من أجل الحصول عليها.
وعندما يفوز بها شخص لا سلطة له. ولا علاقات. ولا من يدافع عنه. يتم التشهير به. وترد عليه وزارة الثقافة. ولا تجد غضاضة في “فضحه” أمام الملأ.
بينما المال ضروري. وهو الذي يجب التركيز عليه.
المال المستحق.
المال الحر.
المال الذي لا محاباة فيه.
المال الخلاق.
وعلى أي جائزة أن تختزل فيه. في هذا المال الضروري لاستمرار الكاتب في الكتابة.
ففي بلاد أخرى يمنح المال للكاتب كي يكتب.
يمنح له كي يدفعه إلى الإبداع. وكي يحفزه. وكي يشجعه.
وكي يفوز المانح ويفوز الكاتب.
فيوقع عقدا من أجل ذلك.
ويحصل على المبلغ أو على جزء منه قبل أن يخط أي حرف.
حيث المال هو شيطان الإبداع. وهو الملهم. وهو كل شيء.
المال هو الرواية.
وهو الذي يجعلك غير مقل.
وهو الذي يجعلك لا تتوقف عن الكتابة.
وهو الذي يجعلك تتفرغ للإبداع.
لكن يبدو أننا نتخيل الكاتب كائنا لا يحتاج إلى المال.
وتكفيه الطبيعة. والورود. والعزلة.
يكفيه “الخلود”.
تكفيه هذه الكذبة.
وعليه أن يؤجل العيش إلى ما بعد موته.
وهو ميت عليه أن يتمتع بالقراء يمدحونه.
ويكفيه أن يتأمل السماء. ويقف في الربوة.
نتخيله مهموما دائما.
نتخيله ملتصقا بالفقراء.
نتخيله فقيرا ونرغب فيه فقيرا و بئيسا.
نرغب فيه مكتفيا.
نرغب فيه كما نتخيله في أفلامنا وفي قصصنا.
وكما يوجد في رأس المغربي.
نرغب في التفرج فيه وهو يطالب بالمبلغ المالي كاملا.
و نرفض في نفس الوقت أن يفوز بالمال.
ثم من قال للمهدي بنسعيد إنه لا يجب اختزال الجائزة في قيمتها المادية.
فلا روح بدون مادة.
ولا فكر دون تحفيز مادي.
ثم من يضمن لنا وجود شيء اسمه الروح.
وكم هي قيمة هذا الجانب المعنوي.
كم يساوي.
وهل يمكن تحويله إلى الأورو.
وهل دور وزارة الثقافة أن تتحدث عن هذه الأشياء غير الملموسة.
وعن شيء أكثر قيمة من المال.
إلا أننا. وفي إجماع غريب. فرحنا. وانتشينا. بخطوة وزيرة الثقافة.
وهو يقرع الكتاب المغاربة. ويلقنهم الدروس. ويوضح لهم الفرق بين القيمة المادية والمعنوية.
وأسوأ ما في الأمر هو دفاع الفائزين عن أنفسهم.
وادعاؤهم أنهم لا يرغبون في المال.
وأن احتجاجهم ليس من أجل الحصول عليه كاملا غير منقوص.
كأن المال سبة في حقهم.
كأنهم يكرسون الصورة المكرسة.
كأنهم يتظاهرون بأنهم لا يرغبون فيه. وأن ما يهمهم هو احترام قانون الجائزة.
لا. لا. ليس هذا.
ومن حق الكاتب المغربي أن يحب المال كأي مواطن.
وكالصحافي. وكالرسام. وكالمعلم. وكالطبييب. وكالمحامي.
وأجزم أن من المال تخرج أعظم الأعمال.
المال مسكر.
المال له مفعول المخدر.
المال يحرك كل الحواس.
و غيابه هو الذي جعل من المغربي كاتبا مشرقيا. و خليجيا.
وجعله يبحث عنه في مكان آخر.
وعندما يتوفر المال هنا.
وعندما يكافأ الكاتب المغربي في بلاده ماديا.
وعندما يتم تحفيزه
فتأكدوا أنه سيكون مبدعا.
وليس بجائزة المغرب هذه التي يحصل عليها الكاتب المغربي.
يحصل عليها كما لو أنها شهادة نهاية مشوار.
ليشتري بها سيارة. أو ليؤدي دينا عليه. وبعد ذلك يعود مفلسا كما كان.
يعود الكاتب المغربي إلى تلاميذه
يعود مدرسا.
يعود إلى صورته ككائن لا مادي. ومتألق.
يعود من جديد كائنا هوائيا. طهرانيا. نقيا. لا يهمه المال.
بينما يسيل لعابه في الحقيقة من أجل الحصول عليه.
والحال أن من المال تخرج أعظم المال.
وليس كما قلتَ يا وزير الثقافة
وليس بهذه اللغة.
وليس بكل هذه السلطة.
كأن حياة الكاتب المغربي متوقفة على الحكومة.
وعلى جائزتها الرسمية التي صارت مع الوقت أكثر بؤسا من البؤس.
وفقيرة.
بعد أن خبر مانحوها الكاتب المغربي.
و رأوا كيف يتم التنافس عليها.
وكيف يتشاجر الكتاب على من سيحصل عليها.
وكيف يتحلقون حولها. ويطوفون عليها.
ولذلك لم يجد مهدي بنسعيد أي صعوبة في الرد على الكاتب المغربي.
ولم يجد حرجا في إهانته. وفي تلقينه درس الجانب الاعتباري. الذي تفوق قيمته أي مال. وأي ذهب. وأي ثراء.
ويا له من هراء.
يا لها من كذبة لا يصدقها أي كاتب مهما ادعى العكس.
ولا يصدقها مهدي بنسعيد نفسه.