الرئيسية > آراء > اللغة الألمانية تنجح في إذابة الجليد بين الرباط وبرلين
15/01/2022 16:20 آراء

اللغة الألمانية تنجح في إذابة الجليد بين الرباط وبرلين

اللغة الألمانية تنجح في إذابة الجليد بين الرباط وبرلين

د. مراد علمي //

استطاعت وزيرة الخارجية الجديدة “أنالينا بيربوك” تذويب الخلافات بين المملكة وجمهورية ألمانيا الاتحادية بعبارات ألمانية جد مؤثرة وذكية، لما نوهت بالدور البناء الذي يلعبه المغرب ك “بيندو كليد”، “حلقة وصل”، بين الشمال والجنوب، “سواء في المجال السياسي، الثقافي والاقتصادي”، كان من الأرجح أن تستعمل الوزارة الوصية الألمانية مفردة أخرى ذائعة الصيت ومعروفة أكثر كـ”بروكه”، يعني “جسر”، ولكن فضلت الخارجية الألمانية كلمة أنجع تستعمل إلا بين الحين والأخر، يعني عبارة “جديدة” شيئا ما، ليست خاوية المحتوى ك “بروكه” نظرا لاستهلاكها بكثرة، هكذا تجسد “بندو كليد” أحسن طي الخلاف، والتطلع إلى ما هو أفضل ومستقبل زاهر يخدم مصالح البلدين.

أما الترتيب كما جاء في بوابة الوزارة فهو ليس ببريء بتاتا: 1. “السياسة”، 2. “الثقافة” و 3. “الاقتصاد، 1. “السياسة”، يعني تبني أفكار وطرق معينة قصد ضمان بعض المستحقات، كسب قسط وافر من الاعترافات وفي آخر المطاف فرض وتحصين المصالح، 2. “الثقافة”، فهذا اعتراف ضمني للمملكة بأنها دولة ضاربة في القدم، لها حضارة، ثقافة وتاريخ عريق، ولا يخفى على الخارجية الألمانية أن المملكة تتوفر على دولة قائمة الذات منذ أكثر من 12 قرن، لما أسست على يد إدريس الأول، أما “الاقتصاد” فما جاء إلا في المرتبة الأخيرة، لأن شركاء الألمان الاقتصاديين هم بالأخص دول عظمى: الولايات المتحدة (الصادرات: 118 مليار يورو،2020)، المملكة المتحدة (الصادرات: 67 مليار يورو، 2020)، فرنسا (الصادرات: 91 مليار يورو، 2020)، الصين (الصادرات: 96  مليار يورو، 2020)، إيطاليا (الصادرات: 60 مليار يورو، 2020) إلخ، ولكن حتى دول ميكروسكوبية كهولندا، 18 مليون نسمة، استقبلت 84 مليار يورو كصادرات ألمانية في عام 2020، على عكس صادرات ألمانيا للمملكة، التي لا تتجاوز أكثر من 2،2 مليار يورو كما استوردت من المغرب إلا 1,4 مليار يورو من السلع، وجميع الدول المتقدمة تصدق، تمتثل إلى لغة الأرقام والنتائج الملموسة، لا إلى الخطب، النوايا الحسنة أو الكلام.

وإن دلت هذه الخلافات بين برلين والرباط على شيء فإنما  تدل في الأساس على فشل الخارجية المغربية ومن يمثلها  في نسج شبكة قوية، جسور متينة مع جميع فرقاء الأحزاب الألمانية الديمقراطية الممثلة في البرلمان الألماني، مع الجامعات، المؤسسات السياسية، النقابات، الصحفيين، الكتاب، كتاب الرأي، المثقفين، رجال الأعمال، الشركات، مراكز الدراسات والبحوث، وبالأخص مع جمعيات المجتمع المدني الألماني القوي، نظرا لأن أكثر من 23 مليون ألماني منخرط في العمل الجمعوى.

وما يحز في النفس هو غياب المغرب كليا في المشهد الألماني، لا في  وسائل الإعلام الرسمي أو الخصوصي، اللقاءات، الحوارات أو المناظرات، والترافع عن مغربية الصحراء في دهاليز الأمم المتحدة فقط غير كاف، لذا يجب الاحتذاء بالسفير الأسبق للولايات المتحدة “دجون كورنبلوم” الذي كان يجيد اللغة الألمانية ويدافع بشراسة على مصالح بلاده في المنابر الإعلامية الألمانية،أما  الاختباء في مكاتب سفارة المملكة في برلين وراء حائط “سميك” من الصمت الداكن لن يخدم مصالح المملكة ولن يكن هادفا.

لذا من الواجب تجاوز الخلاف وضخ دماء جديدة تتوفر على: 1. مهارات لغوية ألمانية عالية، 2. إصدارات باللغة الألمانية، 3. إلمام بالحضارة، الثقافة والتاريخ الألماني، لكي يمكن لها أن تتوغل في المشهد الألماني، أما شكليات البروتوكول لن تفيدنا في شيء، لأن  النتيجة الملموسة، المضمون هو الهدف الأعلى، واقتراحات وزارة الخارجية المغربية في شغل المنصب في برلين التي قدمت للعاهل المغربي بغية تزكيتها لم تكن موفقة، وإن لم يكن الأمر هكذا لما حصل ما حصل من تعطيل العديد من المشاريع التنموية للآلاف من المواطنات والمواطنين، لأن ألمانيا تعهدت أن تدفع مساعدات مالية تفوق 10 مليار درهم وأكثر من 2 مليار درهم هبة.

وهكذا استطاعت وزيرة خارجية ألمانيا ببعض الجمل المحكمة واللبقة طي خلاف طال أكثر من اللازم، ولدت “أنالينا بيربوك” في 15 دجنبر 1980 وتعتبر من أصغر من ظفر بأمانة حزب ألماني ديمقراطي، ألا وهو حزب الخضر، وهي من والدين بدأت الام مشوارها المهني كمربية تربوية وأب تقلد مهام مهندس ميكانيكي، عاشت بيربوك طوال فترة تمدرسها الابتدائي والثانوي في “نورن بيرك” ثم في مزرعة قرب مدينة “هانوفار”، ما أهلها منذ البداية للانخراط في حزب الخضر، الحريص دوما على حماية البيئة، المناخ، التغذية السليمة،التعدد وحرية التعبير.

من بعد درست الحقوق في جامعة “هامبورك” و”لندن”  وحصلت على درجة ماستر في 2005، ثم اشتغلت كصحفية حرة لفائدة الجريدة الورقية اليومية “هانوفارشه آلكيماينه تسايطون”، هكذا تمكنت من صقل مهاراتها الكتابية، أسلوبها وخطبها، لأن جميع الساسة الألمان يتوفرون على خزان لغوي مهم، على أدوات ووسائل خطابية عديدة قصد الإقناع وحشد أكبر عدد ممكن من الأعضاء أو المتعاطفين بغية الفوز في الانتخابات الحزبية، الجهوية أو الفيدرالية.

لأنه من المستحيل إقناع جمهور ناضج ووعي بدون أي ترتيب في الأفكار يخدم النص وأهداف صاحبه، كما يفسد تلعثم متكرر متعة الإمعان والإنصات، وبدون انتقاء أجود المصطلحات التي تخلف وقعا هاما ولها  تأثير بليغ على الجمهور سيكون الخطاب دوما باطلا، ولولا بعض الأخطاء القاتلة لكانت “بيربوك” من ورثة الدكتورة “آنكيلا ميركيل”، ونذكر على سبيل المثال كتابها الأخير الذي حامت حوله العديد من الشبهات والتي حطمت في آخر المطاف جميع آمالها قصد الظفر بمنصب المستشارة الجديدة لسنة 2021.

ولكن لم تخرج خاوية الوفاض، فها هي اليوم تتربع على “أفخر” وزارة تعرفها ألمانيا، كما يلقبها المثقفون الألمان، ولو كلمة “أفخر” بالألمانية لها حمولات أخرى بالمقارنة باللغة العربية أو غيرها، و”الفخر” في هذا السياق مقرون بتضخم الأنا والغرور، الفخ الذي وقع فيه وزير الخارجية السابق “هايكو ماص”، لذا ساعدوا وزيرة الخارجية الألمانية و زودوها بمخاطب/مخاطبة في مستوى الحدث بغية بناء جسور، فتح قنوات عديدة وجديدة من أجل إنجازات غنية ومستدامة تؤسس لمستقبل واعد وأفضل.

موضوعات أخرى