" سكان المغرب الاقدمون هم البربر أبناء مازغ "، كانت هذه اول جملة تلقيناها، ونحن في مقتبل العمر ، في أول درس حول تاريخ المغرب ، وبموازاة ذلك حفظنا جميعا عن ظهر قلب قصيدة الشاعر العربي فخري البارودي (1889-1966) ،التي مطلعها " بلاد العرب اوطاني من الشام لبغدان ومن نجد الى يمن الى مصر فتطوان "،وفي ظل ذلك تماهينا مع العروبة والامازيغية ،وكبرنا في كنف مغرب يتسع للجميع، مغرب يعتبر فيه العربي
والامازيغي سواسية مثل اسنان المشط،يجمعنا حب الوطن والانتماء الى الاسلام والعروبة والفينا العروبة والامازيغية صنوين يجمع بينهما الاسلام بإعتباران الانتماء الديني قمين بأن يلغي أي حساسية عرقية او هوياتية مفتعلة.
كنت ، منذ ان خرج الحراك الامازيغي من قمقمه ،اتساءل مع نفسي : ماذا ستستفيد الاجيال الصاعدة من لغة امامها سنوات ضوئية حتى تجد موقعا لها في مملكة بيل غيتس،ويصبح لها مفتاح تحكم خاص بها في الحواسيب التي تتناسل وتتطور بسرعة البرق،ما الجدوى منها في زمن تتربع فيه اللغة الانجليزية على عرش العولمة ،ودخلت فيه اللغات الحية الاساسية سباق مسافات الهيمنة على عوالم الواقع والافتراض معا ؟
اسئلة حيرى كثيرة طرقت خاطري ليس من منطلق عنصري او عرقي او جهوي ، حاشا الله ، فلا يمكن لمغربي كيفما كان ان يتنصل من جذوره وانتمائه وانصهاره في بوثقة التسامح والتاخي مع مكونات باقي ابناء جلدته ، وذاك لعمري ديدننا جميعا ، وقد شاهدت شخصيات امازيغية وهي ترافع من اجل عدم دسترة الامازيغية ليس كرها في لغة ابائهم وامهاتهم بل حفاظا على لحمة الامة، وذلك بمنأى عن المزايدات السياسية، وانطلاقا من قراءة رزينة ومتبصرة للواقع المغربي الذي لا تنقصه شوائب التقسيم والتجزئة .
لقد ظل ملوك المغرب دائما حماة الوحدة الوطنية ،يصيخون السمع الى نبض رعاياهم ،ويعملون على التقريب بينهم . واذكر في هذا الصدد ما رواه لي مسؤول كان مقربا من الملك الراحل الحسن الثاني ، حينما قام رحمه الله في سنوات حكمه الاولى بجمع خصمين سياسيين لدودين هما الراحلان محمد الفاسي وزير التربية انذاك ، والشيخ المكي الناصري ،الذي كان الملك الحسن الثاني قد عينه للتو عاملا على اقليم اكادير . طبعا تبرم الرجلان من حظهما العاثر الذي جعل كل واحد منهما يلتقي وجها لوجه مع من يعتبره " ثالثة الاثافي " .وكان الحسن الثاني بفراسته ونباهته على دراية بالحرب القائمة بين الشخصيتين الفذتين ، فابلغهما منذ البداية انه لم يستدعهما من اجل اصلاح ذات البين بينهما،وانما من اجل بحث قضية تهم لحمة ووحدة الشعب المغربي ،و اعطى تعليماته للوزير الفاسي بان يقوم بتعيين المعلمين العزاب المنتمين الى المناطق الشمالية للبلاد في منطقة اكادير، وذلك حتي يتم التزاوج بين ابناء الشمال وبنات الجنوب ،وينصهروا في بوتقة الوطن مهما كانت اصولهم ولهجاتهم . وانظروا هنا الى حكمة ملك حصيف،وبعد نظر لا يشق له غبار .
ومضت شهور وسنوات وعقود ، ومرت مياه كثيرة تحت جسر الهوية المغربية ، وتولى الملك محمد السادس عرش اجداده ، والقى في السنوات الاولى من حكمه حجرا في بركة الامازيغية الجامدة حينما القى خطاب اجدير التاريخي ليوم 17 اكتوبر 2001 ،الذي قدم فيه تصورا جديدا بخصوص الهوية المغربية ،واعلن عن احداث المعهد الملكي للثقافة الامازيغية،واكد في الخطاب ان الامازيغية تشكل مكونا اساسيا من مكونات الثقافة المغربية، وأن النهوض بالأمازيغية مسؤولية وطنية وجماعية ، لأنه، في نظر جلالته، لا يمكن لأي ثقافة وطنية التنكر لجذورها التاريخية. كما أنّ عليها، انطلاقا من تلك الجذور، أن تنفتح وترفض الانغلاق، من أجل تحقيق التطور الذي هو شرط بقاء وازدهار أيّ حضارة.
وذهب ملك المغرب بعيدا حينما قال بأن "هناك رهانات ما تزال مطروحة لكي تنتعش الأمازيغية"، مبرزا أنه بدون تنمية اقتصادية مستدامة في الأوساط الناطقة بالأمازيغية، فإن الحديث عن النهوض بالأمازيغية يبقى هشا .ولم يتوقف عاهل البلاد عند هذا الحد بل قررادراج اللغة الامازيغية كلغة رسمية في مشروع الدستور الجديد.
واذا كان اولئك الذين اعلنوا عدم ارتياحهم لدسترتها قد خضعوا لمنطق الديمقراطية وتحكيم صناديق الاقتراع الذي سيحسمه استفتاء اليوم ، فان ما يغيض حقا هو ان بعض جمعيات المجتمع المدني الامازيغي اعلنت مقاطعتها للدستور لاسباب عدة من بينها ما وصفه البعض ب"المكانة الثانوية "للامازيغية في مشروع الدستور ، و"اللبس" الذي يحيط بامكانيات تطبيق ما جاء في الدستور الجديد ، بل ان احد النشطاء الامازيغيين قال ان الصيغة التي ورد بها اعتبار الامازيغية لغة رسمية في مشروع الدستور تشكل تراجعا للخطاب الملكي في 9 مارس الماضي ، وقال ان الخطاب ذكر الامازيغية قبل العربية ، وتحدث عن مبدا المساواة ، وهذا التراجع كما لا يخفى على احد ، يضيف الناشط الامازيغي ، ناتج عن الضغوط التي مارسها حزب العدالة والتنمية وحزب الاستقلال على اللجنة الاستشارية لصياغة الدستور الجديد، حيث تم استبدال النص الاصلي للفصل الخامس من الدستور المتعلق باللغات الرسمية للبلاد ، الذي حظي باجماع اعضاء لجنة الصياغة ، وكانت الامازيغية فيه مذكورة جنبا الى جنب مع العربية في نفس الفقرة ، بالنص الحالي الذي يتكلم عن اللغات الرسمية في فقرتين ، خصصت الاولى للعربية ،وجاءت الامازيغية في الفقرة الثانية بصيغة ملتبسة توحي بانها لغة من الدرجة الثانية .
ان قول مثل هذا الكلام شيء مؤسف ومحزن ، ولم يبق امام هذا الناشط الامازيغي سوى المطالبة بازاحة اللغة العربية ،ولف حبل المشنقة حول رقبتها ، وان كان قد فعل ذلك ضمنيا متجاوزا حدود الاختلاف والحق في ذلك .
ان اللغة العربية التي نص اول دستور للبلاد ،الصادر عام 1962 ،على انها اللغة الرسمية للامة لم يشفع لها ذلك بان تكون اللغة السائدة في الادارة و في الشارع العام ، بل ظلت لغة ظل اما لغة الواقع فجسدتها لغة امنا الحنون فرنسا ، التي اصبحت مثل ضرة تنكد على اللغة العربية صفوها،و تخدش مكانتها. فاللغة العربية طالتها الضربات من كل حدب وصوب سواء من الحالمين بصدارة الامازيغية او المبشرين بالكتابة بالعامية ،دون نسيان مقترفي الاخطاء المطبعية ، على حد قول صديقنا حسن عمر العلوي ( فريموس).
لقد ظلمت لغة الضاد كثيرا،وانتهك الدستور مرارا من خلال انتهاكها،و هناك الان من يريد الاجهاز عليها ،بعدما ركب قطار الدستور ، بينما لسان حالها "وظلم ذوي القربى أشد مضاضةً على المرء من وقع الحسام المهند".