أكدت الثورات العربية، والمطالب السلمية التي ترافق المسيرات السياسية من أجل التغيير، سمو الطموح الاخلاقي للسياسة،وعودة الروح الى القيم المؤسسة للكيان البشري، من كرامة وحرية وعدالة اجتماعية.
وهي القيم التي تقوم عليها لحظات الوعي الكبرى في القاعدة الجغرافية للتحول الثاني، بعد تحولات أوربا الشرقية، في أقل من عقدين أو يزيد عنها بقليل. الاساسي اليوم هو أن هذه الثلاثية التي تجتمع حولها شعوب المنطقة العربية، قيم أصلية وبديهية
في الحياة البشرية، ولم تعد، بالنسبة للتاريخ تطرح ضرورة الدفاع عنها في الحضارات والشعوب والمناطق التي آمنت بها منذ زمان، أو استطاعت التأصيل العملي والنظري لها عبر مسيرتها التاريخية.
يبدو اليوم، مفارقا أن يطالب السوريون بالحرية، مثلا، ليس ضد العدو الاسرائيلي الذي يحتل الجولان، بل يطالبون بها ضد من حاول إقناعهم منذ أربعين سنة أنه بالفعل يدافع عن حرية الجولان وفلسطين ولبنان.
تلك الطريقة الملتوية في قتل الحرية، هي التي كانت تعطي «الشرعية» لكي يطلب الانصياع والامتثال والرضوخ لطريقته في التسيير.
واليوم عادت الأمور الى بداهاتها، وأصبح من حق الشعب السوري أن يعرف الحرية، كما يريد أن يعيشها، ويعود بها الى عناصرها الاولى، ويعود بالمبدأالى منبعه قبل أن تلوثه الاستبدادية الممانعة والتعسف باسم البلاد.
لقد عاد السوري البسيط والسورية اليافعة الى طرح السؤال الأول: لماذا السياسة والوجود ضمن الجماعة؟
ه من أجل تبرير سلطة السيد الجالس فوق الرؤوس، أو من أجل السعادة أو من أجل الأمن؟
هذه الاسئلة البسيطة، التي طرحتها البشرية منذ عهد أرسطو ، يجد السوريون أنفسهم مطالبين بالعودة إليها، وبالعودة بالتاريخ الى مقاعد الدراسة الاولى في قاعات النقاش العمومي "«آغورا".
لم تستطع العديد من الشعوب الارتقاء الى الجانب العملي للسياسة، أي كيف تمارس وكيف تدبر الشؤون العامة للجماعة، لأنهم كانوا بلا درجات أولى، كانوا في المرتبة البديهية من الغياب، في اللحظة الصفر ما قبل الوجود الفعلي للسياسة.
كانت المفارقة أن بلدانهم بدأت بالتدبير وبالتقنيات العامة للسياسة ، قبل أن تضع لها الشروط الواجبة.
وأهم الشروط هي القيم الثلاثية التي تصنع الشعار العام للمرحلة.
إن القيم ليست هنا بالمعنى الأخلاقوي، الذي يحصرهافي عقيدة الفضيلة، فضيلة السلوك الذي لا يشوبه الذنب والشعور بالذنب أو الخطيئة الدينية، إنها تعني بالاساس عقيدة الحق وحق القانون، في وجود يضمن السلامة مع الكرامة والعدالة الاجتماعية والحرية في القول والانتقاد والفعل السلمي للتغيير.
الطموح الأخلاقي للسياسة أصبح اليوم بنية مؤطرة لكل الحركات، ولهذا لم يعد الشعب يقبل بأن تغيب القيم المؤسسة للوجود البشري محض تجاهل أو تغيب بمبررات أو أخرى..
الطموح الأخلاقي القيمي للسياسة هو الجواب الذي يمكن أن نقدمه أيضا لكي نجد الحلول لكل المطالب الحالية للشعوب النافرة…
إن الحكمة السياسية هي ،كما يقول كانط، جزء من السمو الاخلاقي والنظري للأخلاق ، أو أحد التعابير العملية لهذا الطموح الاخلاقي للسياسة ، مما يجعل الأكثر حكمة هو الذي لا يجعل الغاية تبرر الوسيلة ولا يجعل العمل الحقيقي بالحقوق يختفي وراء التبريرات البراغماتية أوالمصلحية لتوزان القوى.
الطموح الأخلاقي للسياسة لا يعبر عن نفسه دائما بمصطلحات عالمة وطاعنة في التجريد ، إنه يصاحبنا دوما في اليومي، وهو أيضا اليوم حاجة ملحة للخروج من مأزق
الوضعيات الراهنة.
إننا نسميه بمحاربة الفاسدين كما نسميه احترام إرادة الناخبين ، كما قد نسميه التخليق العام، لكنه يظل الرغبة الاكيدة للناس لكي يصونوا السياسة من الخزعبلات ويصونوا البلدان من الحلول الجذرية والمأساوية.
عمود "كسر الخاطر" تنشره "كود" باتفاق مع كاتبه رئيس تحرير "الاتحاد"
11/8/2011