لم نخطئ حينما اعتبرنا قرار تغيير اسم طريق مديونة بالدارالبيضاء واستبداله باسم «شارع محمد السادس» بأنه قرار خاطئ مائة في المائة (انظر العدد 207). ذلك أن الذين أوحوا باختيار اسم ملك البلاد وإطلاقه على أحد أهم المحاور الطرقية بالمغرب لا يعرفون أن إطلاق اسم رمز وطني على شارع له كلفة مادية ومعنوية (لاحظوا أن الشارع يضم أكبر هشاشة اجتماعية ومعظم الأحياء السكنية آيلة للسقوط بدرب السلطان!!)، لعل أهمها أن يكون الشارع فعلا ملكيا من حيث هندسته وتهيئته وإنارته وواجهات عماراته وانسياب المرور فيه بسلاسة ومتعة. إذ عوض أن يصبح «شارع محمد السادس» بمثابة «شارع شانزيلييه المغرب» تحول إلى جحيم يومي لحوالي مليون بيضاوي يتنقلون يوميا عبر هذا المحور الطرقي، وتحول هذا الشارع إلى طوق يحاصر تجار 40 قيسارية من أهم القيساريات ببلادنا.
 
فمنذ أن أشعل البوعزيزي (صاحب الكروسة بتونس) النار في جسده في مطلع عام 2011 لم يتم إسقاط الرئيس زين العابدين بنعلي من كرسي الحكم فحسب، بل تم إسقاط سلطة الدولة بالمغرب كذلك. فمعظم المدن تشكو حاليا من زحف رهيب للباعة المتجولين و«الفرّاشة» على كل الفضاءات والساحات العامة وعلى الشوارع، وهو زحف لا يرتبط بتاتا بالبحث عن لقمة عيش أو التغطية على وضع اجتماعي بئيس بقدر ما يرتبط بتحلل الدولة وتحلل السلطة العمومية، مما ولد القناعة لدى المواطن أن المغرب أصبح بمثابة «أرض بدون سيد» (No Man’s Land)، مما يفسر ذاك الهجوم الكاسح للمتسولين بالملتقيات الطرقية والمقاهي والأسواق، وهو ما يفسر تلك الموجة المتفاحشة من الإجرام، ويفسر أيضا «غزوة الباعة المتجولين» وافتراسهم لكل الشرايين الرئيسية بهذه المدينة أو تلك. (انظر مثلا شكاية السكان في ص: 3). وحينما يذهب المواطن أو التاجر النظامي أو صاحب العقار المحاصر أو سائق الطاكسي أو الحافلة إلى ممثل الدولة للتشكي يواجه بعبارة مكرورة «لقد تم إسقاط رئيس دولة تونس بسبب بائع متجول، فما بالك برئيس المقاطعة الحضرية أو رئيس الدائرة أو رئيس الأمن الإقليمي!!» 
 
إن المرحلة الانتقالية التي يعيشها المغرب حاليا والمتمحورة حول الانتقال إلى دستور 2011 تتطلب دولة قوية مؤسساتيا، لأن الدولة القوية هي القادرة على التأسيس لدولة حداثية وعصرية. أما ترك الحبل على الغارب بمبرر أن بائعا سيشعل النار في جسده، فهو تجريد المغربي أصلا من هويته الإسلامية، هذه الهوية القائمة بالدرجة الأولى على تحريم قتل المرء لنفسه، بدليل أن المغرب كان سباقا قبل تونس في إقدام بعض اليائسين على صب الزيت على أجسادهم دون أن يقع التعاطف الشعبي بالمغرب مع هذه الأفعال لكونها تدخل في باب الانتحار الذي لا تقام له حتى صلاة الجنازة، فأحرى التضامن مع من قتل نفسه.
 
صحيح، المغرب ليس هو السويد، حيث يسود مجتمع الرفاهية، وحيث الكل يعيش في بحبوحة، لكن الصور الفظيعة التي أضحت تؤثث شوارعنا بالباعة المتجولين قد تجعل المغرب في منزلة من «الصوملة» (نسبة إلى الصومال حيث اللادولة). وبدل أن يقوم البوليس بدوره في حماية أبسط حق من حقوق الإنسان ألا وهو الحق في التنقل وتحرير الشوارع من المحتلين، نراه يجتهد ويجد في اصطياد شاب رفقة صديقته بتهمة «الفساد» أو اصطياد سائق نسي أن يضع «السمطة»، وكأن المغرب سينهار إذا ما تأبط شاب ذراع زميلته في شارع أو ساق مواطن سيارته بدون حزام.
 
إن الربيع العربي الذي انطلق في دول الشرق العربي الشمولية والديكتاتورية برفع شعارات تطالب بإسقاط الأنظمة كان ربيعا خلق «القفقافة» لدى الأجهزة الأمنية والترابية والمنتخبة ببلادنا التي تحللت من كل التزاماتها لدرجة أنها تحللت حتى من ضمان الحد الأدنى من الدولة بشكل جعلت الشعب بكل المدن المغربية لا يطالب سوى بسقف منخفض جدا، ألا وهو  
! «الشعب يريد تحرير الشوارع من الباعة المتجولين». فهل هذا مطلب عسير؟
افتتاحية العدد 436
الخميس 30 بونيو 2011