رغم أن البشرية اخترعت آلة اسمها الكاميرا، ورغم أن العقل الكوني ابتكر شرائح إلكترونية(les puces)، ورغم أن الانسانية طورت مرفق تدبير وتسيير المرور بالمدن بواسطة الأنظمة المعلوماتية،فإن البوليس المغربي مازال يحرص على أن يبقى رائدا في «الأمية الإلكترونية»، ومازاليمعن في إهدار ضرائب المواطنين على تكوين رجال الأمن وتسليحهم وكسوتهم. وبدل أن يطاردوا المجرمين والقتلة والنشالين ومعترضي سبيل النساء والعجزة، نرى الدولة تعينهم في المدارات الطرقية وملتقيات الشوارع لابتزاز السائقين، أو في أضعف الحالاتلإزعاجهم(emmerder).

والخطير في الأمر أن إدارة الأمن لا تتردد في إمطار وسائلالإعلام ببلاغات حول سفريات أطرها إلى الخارج للتدرب أو المشاركة في الملتقياتالدولية، أو تنشيط دورات «الأنتربول»، دون أن تخبر الرأي العام عن القيمة المضافة التي ربحها المغرب من هذا «الإسهال» في سفر مسؤولي الأمن المغربي إلى أوروباوأمريكا، إن لم تكن لأسفارهم تداعيات على حسن إدارة مرفق أمن المرور.

فهل يعقل،والدار البيضاء التي تعيش على وقع الجرائم يوميا (خاصة تلك التي تستهدف النساء فيالأسواق والساحات العامة) نجد أن الموارد البشرية لتعزيز الأمن العمومي بالشوارعوالمراكز التجارية والشواطئ يتم تخصيص ما يقرب من ثلث البوليس للمرور، وكأن المجرمالحقيقي هو ذلك المواطن البسيط الذي يؤدي الضرائب ويسوق سيارته نحو عمله كليوم؟

هل يعقل أن تظل إدارة الأمن الوطني تتفرج على بعض رجال شرطة المرور الذينبدل أن يطبقوا القانون بمرونة حسب نوعة المخالفات (فظيعة، أو عادية، أو تافهة)نراهم يجلدون المواطنين يوميا عبر ابتزازهم ومساومتهم في أداء غرامةالمخالفة؟
وهل الغرامة تم سنها اصلا لتذهب إلى خزينة البلاد أم تم تشريعهالاصطياد السائقين من طرف بعض «قراصنة» شرطة المرور؟

هل يعقل أن تبرمج الدولةالترامواي في الدار البيضاء وتبنى مركزا ماليا الأول من نوعه في إفريقيا فيما تحتفظبممارسات طاعنة في التكلس عبر إدارة إشارات المرور بواسطة شرطي، عوض أن تدار بواسطةنظام معلومياتي مسير من طرف مهندسين وتقنيين بقاعة للمواصلات على غرار المدن التيتحترم سكانها؟
تم، وهذا هو الأهم، هل يعقل أن تكون إدارة الأمن في دار غفلون ممايجري حاليا من حراك شعبي واحتقان مجتمعي، إذ بدل أن تلعب الإدارة دور الإطفائيالمنصت لنبض الشارع نراها تغض الطرف عن سلوكات مخزنية لبعض رجال شرطة المرور لاتعمل (أي السلوكات) سوى على صب الزيت على النار؟

فالشعب لا يريد دستورا جديداإذا كانت الدولة ستحتفظ بنفس العقلية التي تضبط إيقاع شرطة المرور.
إن الشعبيريد إسقاط شرطة المرور ليس كجهاز، بل كإهانات يتجرع مرارتها يوميا المواطنون علىيد بعض رجال الأمن الذين لم يصل إلى علمهم أن هناك مغربا جديدا يبنى بعد حراك 20فبراير.
 
عبد الرحيم أريري، مدير نشر أسبوعية «الوطن الآن»
افتتاحية العدد 434
الخميس 16 يونيو 2011
افتتاحية العدد 434
الخميس 16 يونيو 2011