الرئيسية > آراء > الشعب الجزايري داير ثورة على النظام العسكري الي حاكم من 1962
20/05/2019 09:07 آراء

الشعب الجزايري داير ثورة على النظام العسكري الي حاكم من 1962

الشعب الجزايري داير ثورة  على النظام العسكري الي حاكم من  1962

سعيد سعدي //

إنّها ثورة و رفض لنظام عسكري ساد منذ 1962. نضال سلمي أحدث القطيعة مع عنف سياسي متفشي. مقاومة متضامنة ضد مناورات و تلاعبات خفيّة طالما أجهضت النضالات الديمقراطيّة. تنديدات شعبيّة فوريّة لتجاوزات أُرتُكبت باسم عقائد مانعة. نقاشات شعبيّة حرّة في أقصى مناطق البلاد. نشوة فرديّة و أمل جماعي في المستقبل لا يمكن زعزعتهما …. الساحة السياسيّة انقلبت رأسا على عقب. نحو الأفضل، لحد الساعة. المؤرّخون لهم ما يقولون.

النخب مطالبة بواجب الفهم العميق لتطلعات الشعب و مدعوّة لاستكشاف الآفاق الجديدة التي تفتحها هذا المرحلة الساحرة الغير المنتظرة. و لكن ، دون حسابات و لا رقابة ذاتيّة. و هذا يتطلب تواضعا كبيرا، استعدادا دائما و كثيرا من الإبداع. النتائج العمليّة لهذه الورشة الشاسعة جدّ مهمّة و فوريّة.

ضخامة الحماس الذي يدفع بالحراك الشعبي لا يترك أدنى شكّ حول الطابع الثوري لهذه الحالة الراهنة و ما تنتظره كإجابة عامّة. الأمر يتطلب إعادة ضبط البرمجيّة السيّاسية الوطنيّة و ليس تكييفها. كلّ شيئ يبدأ الآن. و هذا متطلّب صالح للأبعاد التصوّرية و الاقتراحات العمليّة على حدّ سواء.

بدأ الأفق يتفتّح. يجب على المقاربات الانتهازية التي ما زالت تراهن على إمكانية الاصطفاف وراء ما يضنّون توجّها صاعدا على خلفية انقلابات عُصبيّة ، أن تنتهي بعد ثلاثة اشهر من التعبئة الشعبية المثالية. المستقبل الديمقراطي موجود خارج القشرة الشعبويّة. إن التنقيب في مخازن النظام لن يوفّر الأداة و لا المنهجيّة السياسيّة التي ترضي، و لو قليلا، الإرادة القويّة في التغيير..

الأفضل يبقى الانسجام مع ما ينادي به الشعب بعزم و حزم. «يتنحاو ڨاع » أو « سنمشي و نسير إلى أن يسقط النظام » ليست مجرد شعارات تعبّر عن غضب مكبوت منذ مدّة. بل هي مفردات فرضيّة تحدّد أي حلّ بديل. إنّ هذه النداءات بمثابة لقاحات سياسيّة ضد الترقيعات و الإجراءات النصفيّة التي يحاول، عبرها، أولئك الذين يحنّون للأوقات الغابرة اختراق الحراك الذي يرعبهم لأنّهم لم يفقدوا الأمل في إمكانية إعادة بعث النظام..

ككل ثورة تبشّر بتقلبات سياسية، ثقافية و اجتماعية، يمكن لثورة 22 فيفري أن تولّد مخاوف لدى الذين عاشوا منقطعين عن الأيام الصعبة التي قابلها المواطنون المحرومون من الحريّة و الظهور. إنّه من دور النخب التي تمكّنت من معرفة أسباب و حجم العاصفة التي هزّت فجاة مجتمعا متحجرا، القيام بعملها البيداغوجي إن لم نقل إعطاء الخطب بما ان الأزمة تتعلق بالجانب الروحي، لشرح مفهوم إعادة التأسيس الذي لا يعني المغامرة و لكن الانبعاث. إن هذه المواقف المحافظة التي لها الحق في أن تُسمع يجب أن تعي أن لا أحد يستطيع تجميد التاريخ من أجل مصالح فئوية متحصّل عليها تحت سلطات غير شرعيّة..

و ككلّ ثورة، تجرّ ثورة 22 فيفري وراءها محاولات ثوريّة مضادة. هذه الأخيرة يمكن أن تأخذ أشكال عمليات قمعية استطاعت التعبئة و إرادة المتظاهرين حجمها، أو أن تاتي على شكل مرافقات سامّة للحراك.

نلاحظ تدخل مصادر سياسية تقدّم نيتها الصادقة في المساهمة في إيجاد مخرج للازمة. هذه المداخلات تتحدّث عن تغيير نظام و ليس النظام برمتّه ممّا يحصر مسؤوليات المأزق الحالي في إطار النهب الذي قام به رئيس الدولة المخلوع و حاشيته. لا أحد يفكّر في تزكيّة هذه الزمرة و تبييض حصيلتها. و لكن تجاهل الاستحواذ على الاستقلال كعامل مؤسّس لهذه الانزلاقات، يعتبر إرادة في إخفاء و حجب الأسباب العميقة للمحنة الوطنية و ، في الاخير، إستبعاد إيجاد الحلول الملائمة..

هؤلاء الفاعلين يؤكّدون على ضرورة الذهاب إلى الرئاسيات و اسناد رئيس الدولة القادم مهمة تسيير المرحلة الانتقالية. هذه العمليّة الاساسية لمستقبلنا قد تدار وفق الترتيبات الدستورية الحالية التي تمنح للرئيس التنفيذي صلاحيات شبه ملكية. إن هذه الخطوة تحمل في طياتها خطرين. يكفي للرئيس المنتخب أن يحمله الغرور على الإفراط في استعمال صلاحياته لإعادة بناء النظام الأوليغارشي. يمكن للدوائر الخفية التي لن تندثر بين عشية و ضحاها أن تفعّل هذه الصلاحيات الضخمة للضغط على الرئيس القادم من أجل السيطرة على سياسة التسيير بصفة تسلطية و خارجة عن نطاق المراقبة. في كل الاحوال، تنظيم الرئاسيات بهذه الشروط يؤدي حتما إلى تحويل و قتل الثورة مع كل ما ينجر من مخلفات يولّدها الإحباط في البلاد و كل منطقة شمال إفريقيا.

في كل مسار ثوري، هناك أجندة و أولويات. يجب إعادة التذكير، و لو عن ملل، بعض البديهيات. منطق النضال الراهن يفرض دستورا يضمن أولا و قبل كل شيئ نظاما متوازنا يستند للمبادئ الديمقراطية الكبرى التي تؤسس لدولة الغد.

هناك من العبر ما لا يسمح التاريخ بنسيانها. قبل تقديم استقالته من منصب رئيس المجلس الوطني في 1963، توسّل النابغة فرحات عباس من زملائه أخذ الوقت الكافي لتحديد الشروط الديمقراطية و الجمهوريّة التي يجب وضعها في ديباجة الدستور. و لكن المغامرون، الذين خلّفوا الورثة الصغار الذي يحاولون اليوم إعادة المراوغة، قرروا عهر الدستور* في قاعة سينما . و البقية معلومة.

*المفردة استعملها فرحات عباس

 

موضوعات أخرى