كود الرباط//
تدخل الحرب في السودان أسبوعها الأخير قبل إتمام عامها الثالث، وسط تصعيد ميداني خطير بين قوات تحالف السودان التأسيسي “تأسيس” والجيش المتمركز في بورتسودان، في سياق أزمة إنسانية توصف بأنها من بين الأسوأ عالمياً. وتشير معطيات الأمم المتحدة إلى أن تصاعد العنف في عدة مناطق يدفع نحو موجات نزوح جديدة، خصوصاً في ولاية النيل الأزرق، حيث أُجبر آلاف السكان على الفرار خلال الأسابيع الأخيرة، متجهين إما إلى إثيوبيا أو إلى مراكز إيواء مؤقتة كمدارس ومبانٍ عمومية.
وتُقدّر المنظمة الدولية للهجرة عدد النازحين بأكثر من 28 ألف شخص منذ منتصف يناير الماضي، من بينهم أكثر من 4 آلاف خلال عشرة أيام فقط، ما يعكس تسارع وتيرة التدهور الميداني. ويأتي ذلك في ظل تكثيف الغارات الجوية، خاصة عبر الطائرات المسيّرة، التي تستهدف مناطق متفرقة، لا سيما في إقليم دارفور غربي البلاد.
وفي تطور لافت، قُتل عشرات المدنيين، يوم 8 أبريل 2026، إثر غارة بطائرة مسيّرة استهدفت مدينة كتم بولاية شمال دارفور. وأفادت “لجنة مقاومة الفاشر” بأن الهجوم طال حي السلامة قرب مدرسة، محملة المسؤولية للجيش السوداني الذي يخوض نزاعاً مع قوات الدعم السريع منذ أبريل 2023. في المقابل، أعلنت حكومة إقليم دارفور التابعة لتحالف “تأسيس” أن الحصيلة بلغت 56 قتيلاً، بينهم 17 طفلاً، و107 جرحى، ووصفت الهجوم بـ”الجريمة البشعة” مطالبة بمحاسبة المسؤولين.
التصعيد عبر الطائرات المسيّرة بات سمة يومية في النزاع، حيث أدى إلى شلل شبه كامل للحياة في عدة مناطق، خصوصاً في كردفان التي تحولت إلى جبهة رئيسية، إضافة إلى مناطق غرب السودان الخاضعة لسيطرة قوات الدعم السريع. وتشير تقارير إلى سقوط عشرات الضحايا المدنيين بشكل متكرر نتيجة هذه الهجمات.
وفي هذا السياق، أعلنت منظمة “أطباء بلا حدود” أنها عالجت نحو 400 مصاب جراء هجمات بالطائرات المسيّرة منذ فبراير الماضي، أغلبهم في دارفور ومناطق قريبة من الحدود مع تشاد. كما أفادت الأمم المتحدة بأن هذه الغارات أودت بحياة أكثر من 500 مدني بين يناير ومنتصف مارس، محذرة من “الأثر المدمر” لهذه الأسلحة في المناطق المأهولة.
وأكدت مورييل بورسييه، منسقة الطوارئ في “أطباء بلا حدود” بدارفور، أن الطواقم الطبية تستقبل حالات حرجة تشمل إصابات نافذة، بتر أطراف، وحروق قاتلة، مضيفة أن عدداً كبيراً من المصابين يفارق الحياة فور وصوله إلى المستشفى، في ظل حجم عنف وصفته بأنه “غير محتمل”.
ولم تقتصر الهجمات على المدنيين، بل طالت أيضاً البنية الصحية. فقد أدى قصف كتم إلى تدمير مستشفى المدينة، بعد أيام فقط من استهداف مستشفى الضعين التعليمي في شرق دارفور، الذي خلّف 70 قتيلاً و146 جريحاً، وأدى إلى خروجه عن الخدمة. وأدانت مجموعة “محامو الطوارئ السودانية” هذه الهجمات، معتبرة أنها تشكل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني، خاصة اتفاقيات جنيف التي تحمي المنشآت الطبية والعاملين فيها.
وشددت المجموعة على أن استهداف المرافق الصحية يحرم آلاف المدنيين من خدمات أساسية في ظل نظام صحي هش، مطالبة بوقف فوري للهجمات وفتح تحقيقات مستقلة لتحديد المسؤوليات ومحاسبة المتورطين، إلى جانب ضمان حماية العاملين في القطاع الصحي.
وتعكس الأرقام حجم الأزمة، إذ أفادت منظمة الصحة العالمية بمقتل أكثر من ألفي شخص وإصابة 720 آخرين في 213 هجوماً على مرافق صحية منذ اندلاع الحرب. كما سجل السودان، وفق المنظمة، 82% من إجمالي الوفيات العالمية المرتبطة بهجمات على القطاع الصحي خلال سنة 2025. وفي السياق ذاته، وثّقت “أطباء بلا حدود” 100 حادثة عنف استهدفت طواقمها ومرافقها وإمداداتها الطبية.
وأكد ممثل منظمة الصحة العالمية في السودان أن تكرار استهداف المنشآت الصحية يحد بشكل كبير من إمكانية الوصول إلى العلاج، في وقت تتزايد فيه الحاجة للخدمات الطبية. من جهته، اعتبر ممثل “اليونيسف” أن قصف المستشفيات يشكل انتهاكاً جسيماً لحقوق الأطفال، بحرمانهم من الرعاية الأساسية في لحظات حرجة.
وفي المحصلة، أسفر النزاع عن مقتل عشرات الآلاف وتشريد أكثر من 11 مليون شخص، فيما أعلنت الأمم المتحدة حالة مجاعة في عدة مناطق، ووصفت الوضع بأنه أسوأ أزمة إنسانية عالمياً. كما شددت على أن المدنيين ما زالوا في دائرة الخطر، وأن ضمان وصول المساعدات الإنسانية بشكل آمن ومستدام يظل أولوية ملحة، داعية جميع الأطراف إلى احترام القانون الدولي الإنساني وحماية المدنيين والبنية التحتية الأساسية.