في أحد الأيام سأل صحفي سخيف الكاتب برنارد شو: لماذا تكتب دائما عن المال؟ فأجاب شو : كل منا يكتب عما ينقصه ، أنا عن المال وأنت عن الشرف!!
معظم الحديث اليوم هو عن الماضي وفساده، و الفجوة التي باتت تزداد بين الشعب و من يقول بأنه يمثله سواء أكان حركة 20 فبراير أم الحكومة، وفيما يصر كل طرف على موقفه من الطرف الآخر – بغض النظر عن موقف الشعب منهما معا – تتآكل المصداقية مع التباطؤ و الضبابية و الارتباك، إذ إن عقودا طويلة من غياب المحاسبة والفشل السياسي،عودت «الشباب»، مثلما عودت «الأحزاب»، على تطوير أساليب المقاومة وحواس الشك، أكثر من تطوير حواس الثقة وأساليب القيادة.
و بات المشهد منقسما، في تكرار غريب – لكنه مفهوم على الأقل- للفشل، جهتان على طرفي النقيض، «جماعات» و «أحزاب معارضة»، و «حكومة، كلاهما يعمل جاهدا في طرح نفسه بديلا لمشاكل الشعب، كلاهما يتحدث باسم نفس الشعب، في نفس البلد و بنفس النبرة و على نفس الإيقاع المتشنج : الشعب يريد…، و لكل منهم قراءة لما يريده هذا الشعب، لكن لا احد منهم توقف لحظة ليتساءل، لماذا فشلت كل هذه الأطرف – كل في موقعه – في تصحيح مسار الطرف الآخر و إصلاحه ؟ لا جواب غير عذر تقاسماه، كل طرف يقول بأنه حمل من المسؤوليات أكثر بكثير من الصلاحيات وهذه وصفة تكفي وحدها للفشل.
بين الحكومة و الشعب مسافات، و بين الشعب و من يعلن نفسه ممثلا عنه، مسافات أيضا، هل يقتصر الفساد فقط على أشخاص بعينهم و أحزاب بعينها؟ أم أن هناك أحد ما في مكان ما، لديه من الشجاعة ما يكفي للاعتراف، انه لا توجد على الأرض ملائكة، و إنما بشر بأنصاف: خير وشر ؟!
ما نشهده اليوم من شتم و شتم مضاد بين جزئ من المعارضة و الحكومة، هو نفسه ما نشهده داخل «حركة 20فبراير» كلاهما، يقول بأنه لسان الشعب، و كلاهما منقسم على نفسه إلى أجزاء، كل طرف يقول عن الآخر بأنه مرتع فساد، و داخل كل منهما من يتهم من بجانبه بالفساد.
و أخيرا، لابد أن نعترف أن لدينا انتهازية تضرب في أعماقنا و أن نواجهها بشجاعة و حسم، الإنكار سيزيد المشكلة تفاقما، ونتفق كلنا على ضرورة أن نخرج أنفسنا من الحفرة التي سقطنا فيها لعقود، و ان يؤمن كل طرف ممن يعلن نفسه وصيا على الشعب سواء أكان "حكومة" ام «حركة 20 فبراير» انه لا يوجد شيء في العالم كله، اسمها إجماع شعبي على مطلب واحد، الديمقراطية هي التنوع.
من الممكن ان أقبل بوجود جماعة دينية، أو حزب يتبنى أفكار الماضي، لكنني لا أقبل بأن يصادر كل منهم حقي في الاختلاف، كما من الممكن أن اقبل بحكومة فقيرة وظروف صعبة، لكن من المستحيل اقبل بحكومة تتغاضى عن إهانتي والمس بكرامتي، و لكل الذين يبحثون عن خندقة المغاربة تحت شعار، إما ما أريده و بالطريقة التي أريدها أو الطوفان، ابحثوا عن شعب آخر يمكنكم أن تحبطوه، و ضعوا إحباطكم على إحباطه، و أنجبوا أطفالا يائسين، نعم لدينا من الأسباب ما يحبطنا أكثر من هؤلاء المحبطين، ولدينا أيضا أسباب تملؤنا تفاؤل أكثر من الحالمين…وعلينا أن نختار الفريق الثاني، لأنه من يصنع المستقبل، فالديمقراطية لا تصنع ملائكة… لكنها تستطيع معاقبة الشياطين!!