مصطفى الفن كود ///

عندما يكثر الهم، فإن المهموم يكتفي بالضحك لئلا يختنق. ولكن الضحك هنا يشبه البكاء.

وسأحكي لكم بعضا من هذا الهم الذي رواه لي صديق عزيز كان شاهدا على الوقائع الكاملة لقصة شهدها واحد من الأحياء الشعبية المهمشة بالدار البيضاء.

وجاء في التفاصيل أن بائعا متجولا اكترى ما يشبه شقة صغيرة أو قل “زنزانة” في الطابق الأول دون أن يخبر صاحب المنزل أنه يملك عربة يجرها حمار.

وما إن غربت شمس ذلك اليوم حتى قام المكتري الجديد، في رمشة عين، ب”قطر” حماره الى شقته المكتراة بالطابق الأول.

وكاد صاحب المنزل أن يفقد صوابه عندما انتبه، في وقت متأخر من الليل، الى أنه كرى شقته الى رب أسرة من أربعة أفراد خامسهم حمارهم.

المهم، دخل صاحب المنزل وصاحب العربة المجرورة في نقاش حاد وعميق “شارك” فيه جميع سكان هذا الحي، بلباس النوم، حول “قانونية” إسكان الحمار مع صاحبه بشقة في الطابق الأول.

وتطور هذا النقاش بين الأطراف المتنازعة الى التشابك بالأيدي عندما هم أبناء صاحب المنزل بإخراج الحمار بالقوة من الشقة وإنزاله الى الشارع.

لكن صاحب الحمار ظل ثابتا على موقفه القائل “هذا الحمار لن يغادر الشقة إلا على جثتي لأنه مصدر رزقي ورزق أبنائي”.

ولا يهم هنا أن نواصل ما آلت إليه هذه القصة المأساوية لكن المهم في هذا كله هو أن بعض المسؤولين عندنا لم يفكروا إطلاقا في أحوال نسبة كبيرة من سكان دور الصفيح من أصحاب هذه العربات المجرورة.

نعم قمنا بإعادة إيواء هؤلاء السكان في “شقق” اقتصادية في عمارات أحيانا من أربعة طوابق لا تحمل من معنى العمارة إلا الاسم.

قمنا بهذا كله ولو بشقق تشبه المعتقلات، وجنت مافيات المنعشين العقاريين وشركاتهم المعروفة أرباحا خيالية من هذه العملية التي تواطأت فيها العديد من الجهات النافذة، لكن نسينا الأهم، وهو هذا الارتباط العضوي والمصيري بين أصحاب تلك العربات وبين تلك الحيوانات التي تجرها في رحلة بحث عن كسرة خبز.

ولا بد أن نعترف أيضا بهذه الحقيقة المرة، وهي أن المدن المغربية، ومنها الدار البيضاء، تتعرض إلى عملية ترييف خطيرة أصبحت معها بعض المدن العريقة في التمدن والتحضر لا تختلف كثيرا عن تلك الأسواق الأسبوعية الموزعة على العديد من قرى المملكة.

وذكر الله بخير السي ادريس بنهيمة. فهذا الرجل، عندما كان واليا، حاول، على الأقل، أن يوقف مظاهر هذه البشاعة والبداوة والترييف التي حولت الدار البيضاء الى مدينة مخيفة ومتسخة وعاصمة للأزبال بامتياز.

وسامح الله الولاة والعمال والمنتخبين الذين تعاقبوا على التدبير والتسيير دون أن يجعلوا من الدار البيضاء، التي يزورها ملك البلاد بانتظام، مدينة تستحق لقب العاصمة الاقتصادية للمغرب وشبيهة ببعض المدن العالمية.

اليوم الدار البيضاء بلا هوية وبلا بوصلة وبلا خارطة طريق، والمنتخبون فيها لم تعد لهم أي سلطة على القضايا الكبرى في تدبير الشأن المحلي لأن شركات التنمية المحلية، التي يتحكم فيها الوالي وليس العمدة، هي صاحبة الكلمة الأخيرة واليد العليا في كل شيء.

وهذا واحد من الأعطاب الكبرى التي تجرنا إلى الخلف، لأننا نتحايل على النص بقراءة منغلقة يصبح معها صانع القرار ليس هو ذاك الذي يخرج من الصندوق الزجاحي للاقتراع وإنما هو ذاك الذي يدخل من النافذة ليكسر الزجاج والصندوق معا دون أن تطوله المحاسبة.