في تارودانت و في إيمنتانوت، حيث قدر للعبد الضعيف أن يكون مدعوا للحديث في لقاءين عموميين، حضرته فعاليات سياسية ومدنية وجمهور محترم، كان النقاش السياسي يدور حول وعود الدستور الجديد والتحولات الجارية، وحول الاحتمالات السياسية في بلادنا.
وفي اللقاءين معا، كان الحكم على رشيد نيني، الزميل مدير يومية «المساء» يحضر كقاعدة للنقاش والتدخلات والحكم على ما يجري في البلاد. وكانت التدخلات تستنكر الحكم وتعتبره قاسيا، وهو ما يعني أن قواعد أحزاب سياسية وفاعلين من قاعدة المجتمع وجمعياته توصلت برسالة غير مطمئنة على الأجواء.
فما هي هذه الرسالة التي يراد لها أن تصل إلى مغاربة الحراك السياسي والاجتماعي والدستوري الحالي؟
 
هل يراد لنا أن نقدر بأن الصحافي يمكن أن يتحول إلى لاشيء عندما يتعلق الأمر بحالات خاصة؟
هل يراد لنا أن نقر بأن الصحافي هو ظنين محتمل ومجرم جنائي، إذا شئنا أدخلناه إلى خانة الصحافيين، وإذا شئنا تركناه خارجها لكي يلتقطه رجال الأمن؟
المغرب اليوم ليس في حاجة إلى قضية من هذا النوع، ولا قضية أخرى مشابهة، لأنه اليوم ينظر إلى مابعد الأعطاب الحالية، وينظر أبعد من أرنبة الحاضر..
لسنا في حاجة إلى الحديث عن حق الصحافي في جو آخر غير جو التشكيك والتهم المرتبة في الأدراج إلى حين يتجاوز الخطوط المرسومة بالرصاص ويسقط في الحظر القانوني ويسقط في محيط السجن.
 
إننا اليوم خارج دائرة التوتر، وفي المجتمع أصبحنا نعي القوى التي تعمل على استراتيجيات التوتر، ووضع البلاد على صفيح ساخن، ولا نريد لمؤسساتنا أن تدخل إلى هذه الدائرة، ولا نريد للصحافة أن تكون هدفا له.
فقد عبرت المكونات الصحافية عن موقفها الموحد من إدانة رشيد بسنة سجنا نافذا، وعبرت أيضا عن المنتظر من المرحلة، عوض السير باتجاه يعاكس تطلعات الصحافيين والعاملين في مهن الإعلام وأهل الرأي.
لم يعد المغرب اليوم يحتمل محاكمة الصحافيين ولا تعطيل الصحافة، بقدر ما هو في حاجة إلى الارتقاء بالصحافة إلى مرتبة الحق الدستوري والمعلومة إلى مجال التحصين المؤسساتي، الشيء الذي يمكن المهنة والمهنيين من العمل في ظروف سليمة وبعيدا عن التأثيرات المتدفقة من كل حدب وصوب.
 
لما دافعنا في البداية ومنذ الاعتقال (وهو الموقف الذي أعاد نشره زملاؤنا في «المساء») كان الموقف المبدئي واضحا، وكان انحيازنا إلى حرية الصحافي وحرية رشيد واضحا بدوره، ولم ننتظر إشارة من أحد، ولا مكالمة من أحد، ولا حتى «تقلاز» من أحد لكي نعبر منذ أزيد من 40 يوما عن القناعة التي تحركنا في هذا الملف.
كانت تلك قناعتنا، ولم ننزع إلى «خيارات» أخرى تم فيها تقسيم الرجل إلى بقع يحلو منها البعض ولا يحلو البعض الآخر..
 
كنا نتمنى أن يسير الحكم في الاتجاه الذي أراده الرأي العام، أي عودة إلى منطق المحاكمة الصحافية، ومن منطق تقدير الصفاء للمرحلة التي تعيشها بلادنا.
لا يمكن أن نتصور أن الصحافيين مشغولون اليوم بقضية الاعتقال والحكم على زميل في الوقت الذي ينشغل الرأي العام الوطني بقضايا جوهرية ستؤثر في تاريخ المغرب لفترة نعتقد بأنها طويلة وطويلة جدا بالنظر إلى حركة العالم اليوم.
 
لا يمكن أن نتوجه إلى هذا المستقبل بعطب في الرؤيا وبصحافي ومدير جريدة في ما وراء القصبان.
وبالرغم مما مر وتم، فعلينا أن نصلح الحكم وأن نفتح القفص لكي يعود الصحافي إلى جريدته وإلى حروفه وإلى قناعاته، وأيضا للمساهمة في ما تعيشه بلاده.