كود الرباط//
في حدود عام واحد فقط، تحولت ولاية الجزيرة وسط السودان إلى مرآة مكثفة لمأساة الحرب: مجازر دموية، انهيار إنساني وصحي، وعودة شبكات الفساد تحت غطاء السلاح والفوضى.
فبعد مرور سنة على واحدة من أفظع الجرائم التي شهدتها المنطقة منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، ما تزال الذاكرة الجماعية مثقلة بصور القتل والحرق، فيما يزداد الواقع قسوة على المدنيين العالقين بين العنف والمرض والفقر.
في العاشر من يناير 2025، تعرّضت قرية “كمبو طيبة” بولاية الجزيرة لهجوم دموي نفذته مجموعات مسلحة تابعة لقوات “درع السودان”، المتحالفة مع الجيش في بورتسودان. شهود عيان أكدوا أن المهاجمين، الذين وصلوا على متن سيارات رباعية الدفع مزودة بأسلحة ثقيلة، “أطلقوا النار عشوائيًا على الرجال والفتيان وأحرقوا المنازل”، قبل أن يعودوا لاحقًا لمواصلة الهجوم أثناء دفن الضحايا، متنقلين من بيت إلى آخر بحثًا عن المدنيين.
ووفق توثيقات حقوقية، أسفر الهجوم عن مقتل ما لا يقل عن 26 شخصًا، بينهم طفل، وإصابة آخرين. وأكدت لجنة محلية لإحصاء الضحايا هذه الحصيلة، مدعومة بشهادات الناجين وصور الأقمار الصناعية ومقاطع فيديو أظهرت الجثث وآثار الحرائق والمقابر. وقالت إحدى الناجيات: “جاؤوا إلى المنزل وسألوا عن أزواجنا، وهددوا الجميع قائلين: ألا تعرفون من هم جنود كيكل؟”.
من جهته، اعتبر المرصد السوداني الوطني لحقوق الإنسان أن ما جرى يندرج ضمن “حملات انتقامية ممنهجة”، شملت اعتقالات تعسفية، واحتجازًا قسريًا، وإعدامات ميدانية بالرصاص، إضافة إلى عمليات قتل وحشية، من بينها قطع الرؤوس، في “انتهاك صارخ لكافة القوانين الوطنية والدولية”. وطالبت منظمات حقوقية السلطات السودانية بفتح تحقيق عاجل ومحاسبة المسؤولين، بمن فيهم قادة القوات المتورطة.
وبعيدًا عن السلاح، تواجه ولاية الجزيرة أزمة صحية خطيرة، مع تسجيل عشرات الإصابات بالتهاب الكبد الوبائي من النوع “E”، بينها حالات وفاة. وبحسب تقارير محلية، فإن انتشار المرض مرتبط بتلوث مصادر المياه وغياب الصرف الصحي وانتشار الفضلات، ما يخلق بيئة مثالية لانتقال الفيروسات. وأكد أطباء أن “التلوث البيئي وضعف المناعة من أبرز أسباب تفشي الوباء على هذا النحو”.
ويحذر مختصون من أن المنظومة الصحية بالولاية شبه منهارة، إذ تفتقر المستشفيات إلى خدمات الرعاية الاجتماعية والدعم النفسي، في وقت “انعدمت فيه اللقاحات حتى من الصيدليات”، بحسب اختصاصي علم الأحياء الدقيقة حسين الطيب، الذي نبّه إلى أن غياب ثقافة التلقيح وصعوبة تشخيص المرض في مراحله الأولى ينذران باتساع رقعة الوباء.
في موازاة ذلك، تتصاعد شكاوى السكان من تهميش وإقصاء ممنهج، محمّلين السلطة في بورتسودان مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع. وكشفت اللجنة القانونية لحركة تحرير الجزيرة عن شبكات فساد قالت إنها تنشط منذ سنوات، تورط فيها مسؤولون نافذون، وشملت بيع مؤسسات تعليمية وأراضٍ عمومية بأثمان بخسة، وتحويل مرافق حكومية إلى ملكيات خاصة بقرارات مخالفة للقانون.
الناشط مؤيد الأمين اعتبر أن “الحرب لم تكن سوى ستار كثيف لعودة ذات الشبكات التي أفسدت مشروع الجزيرة”، مضيفًا أن هذه الشبكات باتت تفرض إتاوات ورسومًا غير قانونية على المواطنين، محذرًا من أن ما يحدث “ليس فسادًا عابرًا، بل نهب منظم لحق المواطن في الحركة والعمل والعيش بكرامة”.
بين ذاكرة المجازر، وانتشار الأوبئة، واستفحال الفساد، تظل ولاية الجزيرة نموذجًا صارخًا لكلفة الحرب على المدنيين، حيث تتقاطع الانتهاكات الأمنية مع الانهيار الصحي والاقتصادي، في ظل غياب المحاسبة واستمرار معاناة السكان.