الرئيسية > آراء > التعليم عن بعد في بحث مستمر عن التلميذ مهدي زيد! إشكالية الحضور والغياب بين الشقة والمدرسة
31/03/2020 20:00 آراء

التعليم عن بعد في بحث مستمر عن التلميذ مهدي زيد! إشكالية الحضور والغياب بين الشقة والمدرسة

التعليم عن بعد في بحث مستمر عن التلميذ مهدي زيد! إشكالية الحضور والغياب بين الشقة والمدرسة

حميد زيد – كود//

منذ بداية الحجر الصحي والمعلمة تسأل هذا السؤال كل صباح:

أين مهدي.

أين التلميذ مهدي زيد.

ولا تكتفي بذلك. بل تهددنا. بأنها ستسجله في قائمة الغياب.

فندعي أحيانا أنه مريض.

وتارة نقول لها إنه قادم.

إنه في الطريق من المطبخ إلى الصالون.

بينما الطريق طويلة. وفيها مطبات. ومزالق. ومحطات كثيرة. ومغريات.

وطورا نقول إنه يغسل وجهه.

أو إن الأنترنت انقطع. أو إن الهاتف كان في حاجة إلى الشحن.

وحين كان يشحن فقد كان التلميذ مهدي زيد حاضرا.

أما الآن فهو في مكان ما في الشقة.

وسوف يأتي. غالبا سوف يأتي. وإن لم يكن اليوم فغدا. ولا داعي للتسرع وتسجيله غائبا.

لا داعي لحرمانه من التعليم عن بعد.

لا داعي للتعامل معه بكل هذه الصرامة.

ولا داعي لإفساد هذه التجربة وهي في مهدها. بينما لا أحد يعرف متى سيسمح لنا بالخروج.

وقليل من المرونة. ومن التغاضي. لن يفسد التعليم عن بعد.

وقد نشيخ في الشقق.

وقد يكبر أولادنا في الغرف.

ولذلك علينا أن لا نركز على الأمور الثانوية.

ومع هذا الوضع الذي نعيشه. فإن حبل الكذب قصير. ولا يمكن لنا كآباء أن نبالغ في الكذب. وليست أمامنا خيارات كثيرة.

وليس لنا ما يكفي من التجربة. والحال أننا نحن أيضا نشتغل. وعلينا أن نعمل عن بعد. ونطبخ. ونكنس. وندرس صغارنا.

فيحدث أن نحضر مهدي بالقوة. ونرغمه أن يدخل عند معلمته في الواتساب.

وأن يتحدث إليها. ويثبت حضوره. لكنه سرعان ما يهرب منها. ويتغيب.

ويخرج من الواتساب إلى عالم الشقة الأرحب.

أما هي.

أما معلمته. فتعرفه حق المعرفة. وتعرف أنه سيستغل فرصة كورونا. وسيهرب.  وأول شيء تقوم به. بمجرد الدخول إلى حجرة الدرس في الواتساب هو أن تسأل عنه.

أين مهدي. أين مهدي. وتلح في سؤالها.

كما لو أنها تقصد استفزازنا.  علما أنها تعرف أنه نقطة ضعفنا.

وأنه غير موجود.

ومن الصعب توفيره.

وحتى وهو حاضر في المدرسة فإنهم لا يعثرون عليه إلا بمشقة.

وهو ما يسبب لنا كثيرا من الإحراج. لإنه ليس من السهل ضبطه.

خاصة حين تفضحه شقيقته التوأم. وتخبر المعلمة أنه يلعب. ولا يرغب في الدخول إلى الواتساب. ولا أن ينجز تمارينه. وأنه ليس مريضا.

وحتى حين نعثر عليه فهو يرفض الإذعان. ويطل على الواتساب ثم يختفي.

وإذا كان من سؤال لا نحب سماعه في الوقت الحالي فهو: أين مهدي.

لما فيه من تحد لنا. ولما فيه من اتهام مبطن من طرف المعلمة. وأننا لسنا في حجم المسؤولية.

وأتحداها من هذا المنبر أن تعثر عليه في الشقة.

وأتحدى معلمته أن تأتي ومعها مدير المدرسة ونيابة التعليم ووزير التربية الوطنية.

والغداء على حسابي. والصابون. والمعقم.

ولا أطلب منهم أي شيء إلا أن يجيبوني عن سؤال: أين مهدي.

إذ تظنه كل المعلمات  سؤالا سهلا. لكني أعتبره السؤال الأصعب في الوقت الحالي.

وأعتبره إشكاليا وعويصا.  ولا إجابة مضبوطة متوفرة. كما هو الحال بالنسبة إلى لقاح كورونا.

وسؤالا ميتافيزيقيا.

فهو موجود عند البعض وغير موجود عند البعض الآخر.

ويمكنك أن تؤمن بوجوده.

ويمكنك أن تنفيه.

وشخصيا أتفهم عدم وجود التلميذ مهدي زيد.

فالشقة ليست مدرسة. وأنا لست معلما.

والواتساب ليس قسما.

ولا باب فيه للدخول. ولا باب للخروج.

وقد حاول في الأيام الأولى أن يتألقم مع الوضع.  لكنه سرعان ما اكتشف أن التعليم عن بعد أسوأ بكثير من التعليم عن قرب. رغم أنه جعل حصة الاستراحة هي الأولى.

ورغم أنه كان يقفز بين الحصص.

ويمرض في حصة العربية.

مفضلا. حسب تصريحاته. اللعب عن بعد.

ويراه أفضل بكثير من هذا التعليم عن بعد.

ثم ماذا تنتظر منا معلمة التلميذ مهدي زيد. وهل تطلب منا أن نكون صرحاء معها.

وهل تقبل أن نقول لها إنه تحت الطاولة.

وهل تقتنع. لو أجبناها أنه يلعب عن بعد في الهاتف. وأنه مشغول. ولا وقت لديه.

هل تسمح له ولا تسجله في لائحة الغياب. إن كنا صرحاء وأخبرناها أنه يتفرج في فيلم رسوم متحركة.

فلا يمكن أن نتعرض لكل هذا الضغط ونظل صامتين.

ولا يمكن أن نلام كل هذا اللوم.

فكم من مرة كان التلميذ مهدي زيد فوق رأسي. ومتشعبطا في.

وكم من مرة كان هاربا بالهاتف وفيه المعلمة والواتساب والمدرسة والواجبات ليلعب به.

وعلى المعلمة أن تأتي لزيارتنا هي والمفتش.

وعلى المعلمة أن ترى بأم عينها ما نعانيه.

وأنا متأكد أنها ستكف عن طرح سؤالها.

ولن تقول مرة أخرى أين مهدي.

لأنها ستقتنع أنه ليس موجودا. وأن الشقة لا يمكن أن تمسخ إلى مدرسة.

وأنها حصنه وقلعته.

والمكان الذي يلجأ إليه ليفر من المعلمات ومن التمارين ومن الواجب.

وقد تكون تجربة التعليم عن بعد ناجحة بالنسبة إلى التلاميذ الذين تجاوزوا العشر سنوات.

وبالنسبة إلى الطلبة.

أما الصغار أمثال التلميذ مهدي. الذين تتراوح أعمارهم بين ست وسبع سنوات.

فلا يمكن العثور عليهم في الشقة

ولن تجدهم. مهما ناديت عليهم.

ولا يمكن تعليهم إلا عن قرب. وبالالتصاق بهم.

فمنذ أسبوعين ونحن نبحث عن ولدنا. ونطارده من غرفة إلى غرفة. ونهدده. ونغريه.

ونجلسه إلى الطاولة. ونأتيه بالورقة وبالقلم. وبالكراسة.

لكنه سرعان ما يهرب.

ويضربنا بالألعاب. والمخدات. ويضحك. ويبكي. ويتظاهر بالتعب. إلى أن تنتهي كل الحصص.

فيظهر من جديد.

وفي الصباح يختفي.

موضوعات أخرى

05/06/2020 08:00

المغرب خرج رابح من صداع استخدام الهيدروكسي كلوروكين فعلاج المصابين بكورنا.. 3 باحثين انسحبوا من دراسة “ذا لانسيت” لي فجرات جدل عالمي

05/06/2020 07:00

عضو المجلس الأعلى للشئون الإسلامية فمصر: غشاء البكارة ماكاينش.. والتخربيق اللي كيدار عليه فليلة العرس غير فلكلور جاي من الجهل وقلة العلم – فيديو