الرئيسية > ميديا وثقافة > الباحث الأنثربولوجي فوزي الصقلي فحوار خاص مع “كَود”: الزوايا فالمغرب قدرات تعطي شخصيات كتجمع بين العلم الحقيقي والتصوف وساهمات ف الفصل بين السياسي والروحي
29/03/2021 13:30 ميديا وثقافة

الباحث الأنثربولوجي فوزي الصقلي فحوار خاص مع “كَود”: الزوايا فالمغرب قدرات تعطي شخصيات كتجمع بين العلم الحقيقي والتصوف وساهمات ف الفصل بين السياسي والروحي

الباحث الأنثربولوجي فوزي الصقلي فحوار خاص مع “كَود”: الزوايا فالمغرب قدرات تعطي شخصيات كتجمع بين العلم الحقيقي والتصوف وساهمات ف الفصل بين السياسي والروحي

حاوره عمر المزين – كود – مكتب الرباط //

في هذا الحوار الذي أجرته “كَود” مع فوزي الصقلي، أحد أبرز الباحثين الأنثروبولوجيين المغاربة المتخصصين في الزوايا، يناقش الصقلي عددا من القضايا الشائكة في ثقافة الزوايا في المغرب، ومنها علاقة الشيخ بالمريد.

كما قدم الصقلي معطيات يرى فيها مدى أهمية الزوايا في بناء النظام الملكي، والقيمة المضافة للزوايا في مسار تحديث المجتمع، وعلاقة الزوايا بانتشار ظاهرة التطرف الديني، ومنها السلفية الوهابية. وناقش أيضا فوزي الصقلي قضية التدين في زمن ما بعد كورونا، وهي مسألة تثير الكثير من الاهتمام في أوساط الباحثين.

كَود: كيف ساهمت بنية الزاوية الثقافية في بناء النظام الملكي بالمغرب؟

فوزي الصقلي: تبين لنا الدراسات الأنثروبولوجية  كيف ساهمت الزوايا، منذ قرون في خلق ثقافة مشتركة وقيم روحية حددت لنا فيما بعد  ما يمكن أن نسميه بنموذج الإسلام المغربي. لقد كان كتاب ابن الزيات التادلي “التشوف الى رجال التصوف” موضوع دراسة نقدية للمؤرخ ووزير الشؤون الإسلامية الحالي أحمد التوفيق، أعطتنا فكرة واضحة عن ما مثلته هذه الثقافة في المغرب خلال عهد الموحدين.

وفي هذا السياق ، فإن الطرق الصوفية و الاهتمام  المتزايد داخل المجتمع منذ عهد السعديين بالنسب الشريف، لعب دورا في بث تلك القيم و الثقافة التي نشأ في أحضانها النموذج السياسي الذي نعرفه اليوم بالمغرب والمنبني أساسا على ميثاق البيعة ، الذي هو عبارة عن عقد ديني واجتماعي.

وإذا كان “السلطان” في هذا السياق يتمتع دائمًا بنوع من الهالة والشرعية الروحية ، فان هذه الأخيرة تختلف في مفهومها عن ما كان يسمى في الغرب بقدسية الملك المنبنية على حق إلهي (Royauté de  droit divin)، المستمدة من الثقافة الرومانية.

إن ما ينبغي أن نعرفه هو أن الثقافة الصوفية لهذه الطرق الدينية بشكل عام  جعلت من هذه الزوايا  أماكن  للتنشئة الاجتماعية حيث كان التشاور وتبادل الآراء  يشكل جزءًا من الثقافة المشتركة. مع أن الواقع التاريخي كان  دائمًا أكثر تعقيدًا، فباستثناء مستوى  مؤسسة السلطان، كونت هذه الثقافة  أسسا تفصل  فعليا داخل المجتمع بين البعدين السياسي و الروحي.

كَود: تتميز الزاوية بنمط خاص يرتكز على ثنائية الشيخ و المريد ألم تساهم هذه الثنائية في إنتاج السلطوية داخل الدولة والمجتمع؟

فوزي الصقلي: إن العلاقة بين الشيخ والمريد هي علاقة روحية على وجه التحديد. فإذا كان هذا يمكن أن يمتد في بعض الأحيان إلى مجالات أخرى ، فهذا لا يعني أن باعثه الرغبة في السيطرة على الآخرين ولكن فقط بالقدر الذي يمكن أن تكون فيه بعض النصائح أو المؤشرات التطبيقية في خدمة التربية والتزكية الروحية.

إن الهدف من وراء ذلك ليس إخضاع الآخرين بل تمكينهم من تحقيق التحرر والنضج الروحي. لكن هذه العلاقة الروحية لا يمكن نقلها على المستوى السياسي أو الاجتماعي. يقول الصوفية في احدى قواعدهم الشهيرة لكل مقام مقال.

هذه القدرة الثقافية على تمييز كل بُعد في مجاله الخاص خلقت نوعًا من الثقافة « العلمانية » (Laïque) بصيغة مغربية. فبمجرد إعلان البيعة، لا  تهتم  الطرق الصوفية على شكل جماعي بالعمل السياسي ما لم تتأثر آنذاك حريتهم الروحية مع أنها كانت دائما تساهم في بث نوع من الاستعداد  للثقافة الديمقراطية داخل المجتمع. وهذه الوضعية جزء من أشكال الديمقراطية الذي كنت أشرت إليها سابقا، المنبنية على اجراءات متعددة للوساطة.

على أساس هذا الواقع الثقافي والتاريخي ، انتهج المغرب أجرأة إدماج الديمقراطية بمفهومها الحديث. ليس كنظام خارجي المنشأ فقط، ولكن أيضًا كمجموعة من عمليات الاتصال والوساطة مع التمثيلات المختلفة داخل المجتمع.

إن العديد من بلدان جنوب البحر الأبيض المتوسط التي لم يكن لديها  هذه الخلفية الثقافية لم تكن قادرة أو تجد صعوبات كبيرة في تأسيس وتوطين و تنشئة هذه الثقافة الديمقراطية ولو في أدنى تجلياتها مما يجعلها دوما تلجأ في كثير من الأحيان و في نهاية المطاف إلى أنظمة استبدادية أو عسكرية.

كَود: الهيبة والخدمة والتقرب، ثلاثية تبرز علاقة الشيخ بالمريد، ألم تعرقل الزاوية تقدم المجتمع المغربي بترسيخها لمثل هاد القيم؟

فوزي الصقلي: يتعلق الأمر هنا بالقيم التي لا معنى لها إلا في سياق روحي ويجب وضعها في إطار التربية الروحية من قبل شيخ مؤهل للقيام بهذا الدور. وإلا فلن يكون أكثر من ممارسة ايديولوجية مبنية على علاقة استبدادية.

تتمثل إحدى الوظائف الأساسية لهذه الثقافة الصوفية الجماعية في قدرتها على دمج الحاجيات والتأثيرات الجديدة داخل المجتمع. و التي أعتقد أنها شكلت أيضًا الأساس الذي تطورت عليه الدينامية  المتميزة للمجتمع المدني في بلادنا.

يجب أن نعرف اليوم كيف نخلق التكامل بين هذا التراث الروحي وقيم التضامن والإيثار التي ينشرها داخل المجتمع و بين الثقافة المتجددة لحقوق الإنسان والحقوق السياسية. على سبيل المثال، يمكننا أن نعيش بشكل جيد للغاية في أحضان عائلة تربطنا بها علاقة مبنية على  فائق الاحترام ، و التبجيل للوالدين ، والسعي لنيل مودتهم وبركتهم ورضاهم مع الاحتفاظ بالتحرر الشخصي الكامل والمواطنة السياسية على المستوى المجتمعي. وهذا بالضبط ما يمكن أن يخلق نوعا من الثراء والتميز لمجتمعنا المغربي.

كَود: هل تخلت الزاوية عن دور “العقل” وتركت المجال للسلفية الوهابية التي اقتحمت نمط التدين المغربي؟

فوزي الصقلي: إن ما نسميه عقل أو عقلاني في الخطاب الديني لبعض الحركات الراديكالية لا يمكن ان يدخل ضمن خانة العقلانية العلمية بل ضمن الأيديولوجيا ، كما كان الحال ، في وقت معين، في الخطاب الشيوعي الذي كان يتأسس على استغلال العقل في الخطاب لتبرير الذات بدلاً من استخدام العقل في حد ذاته. فمثلما يجب ألا نخلط بين مفهومي العقل الروحي والعقل السياسي، يجب ألا نخلط أيضا بين الخطاب الأيديولوجي والعقلانية.

عندما تُفهم الثقافة الصوفية وتُمثل في واقعها، فإنها تسمح لنا مرة أخرى بهذه القدرة على التمييز فتعطي كل بُعد ما يستحقه. وبهذه الطريقة استطاعت أن تفرز شخصيات تجمع بين العلم الحقيقي و التصوف، مثلا، اذا اقتصرنا على ذكر من ينتمي منهم الى الغرب الاسلامي، يمكن ان نذكر على سبيل المثال لسان الدين بن الخطيب ، وعالم الرياضيات ابن البنا و ابن خلدون.

كَود: هل للدين مكانة في زمن ما بعد كورونا؟

فوزي الصقلي: لطالما شهدت المجتمعات البشرية إسراعًا في التغيير في سياقات معينة، وفي معظم الأحيان يكون ذلك بسبب اضطرابات مناخية أو وبائية كبرى. فهناك بعض النظريات الأنثروبولوجية الجادة حول هذا الموضوع. لكن هذه الاضطرابات لا يمكن أن تؤدي إلى تحولات إيجابية أو سلبية كبيرة الا عندما تكون هناك بذور ثقافية للتغيير المحتمل في المجتمع.

يدرك الجميع أن هذه الأزمة قد أدخلت على بلدنا وعيًا كبيرا بافراز طرق جديدة للتنظيم والتعامل. ولكن لكي ينجح هذا بشكل ملموس ينبغي أن يتولد لدينا فكر حي وإبداعي يعتمد على جميع مواردنا البشرية و الثقافية في صناعة المستقبل. من جهتي ، أسمي هذا النهج بالأنسنة الروحية (Humanisme spirituel).

هاته الاخيرة يجب أن تدمج نزعة الانسنة الموروثة من عصر التنوير الأوروبي ، والتي هي حاضرة منذ عدة عقود في مجتمعنا بقوة وفي نفس الوقت ينبغي ان تتجاوزه الى منظور روحي أشمل.

نلاحظ اليوم أن تيار الأنسنة الكلاسيكية الغربية  بدأ ينكفئ على نفسه مما يمكن أن يقود المجتمعات المعاصرة  نحو مرحلة تجردها من عمقها الانساني عبر الذكاء الاصطناعي الى ما يسمى العهد العبر الإنساني (Transhumanisme) .

قد تكون هذه النظرية حول الأنسنة الروحية في تجلياتها المختلفة، اقتصادية وتعليمية واجتماعية وثقافية، مصدر إلهام للاختيارات الأساسية التي يمكن أن تتخذها بكل وعي حضارتنا، كوضع تكنولوجيات المعلومات والاتصال الجديدة في خدمة إنسانيتنا وقيمها الروحية وليس العكس، مما يعبر عن مجتمع يتكون فيه هذا الاندماج الابستمولوجي، وهو الشيء الذي يمكن أن يكون مثمرا للغاية في الزمن الحاضر، بفتحه مجالا تكامليا بين بعدي الإيمان والعقل.

موضوعات أخرى

17/04/2021 21:00

رمضان وكونفينمون (الحلقة 3).. محمد الشوبي فحوار مع “كود”: الاحتجاج على التراويح مزايدة ونقاش سطحي والرسول وكان كيصلي فدارو.. وفالستينات كانو الناس كياكلو رمضان وماكيتسوق ليهم حد