يجب الاعتراف لجماعة العدل و الإحسان بالقوة التي تناسبها، والاعتراف لها بدورها في رسم الكير من معالم الحراك السياسي الشعبي من جهة، والرسمي من جهة أخرى…
اعتراف يستشف من الاهتمام الذي توليه وسائل الإعلام المكتوبة أو المرئية الإلكترونية، سواء لتواجدها في الحراك السياسي المجسد بخرجات حركة العشرين من فبراير، أو في قراراتها الداخلية، أو في مماحكتها مع الدولة و المجتمع، سواء إبان محاكمات بعض أعضائها، في قضايا ليس بالضرورة ها علاقة بالسياسة، أو في تورط بعض أعضائها في جنح وجرائم، ضد المجتمع أولا، و ضد مرجعياتها الدينية الطهرانية من جهة أخرى..
الاعتراف بالقوة، ظهر جليا في قرارها الأخير، القاضي بالانسحاب من حركة العشرين من فبراير، و هو القرار الذي أربك جميع الفاعلين، سواء الحلفاء اليساريين في حركة العشرين من فبراير، أو الإخوة المرتبطين بذات المرجعية الدينية، أساسا حزب العدالة و التنمية الذي تحمل وزر قيادة أول حكومة في عهد الدستور الجديد، ثم أخيرا الدولة، التي و إن كانت تنزعج من الضغط الذي تمارسه الجماعة في الشارع، فإنها كانت تفضل ذات الوضع المراقب و المتحكم فيه، عوض غموض و التباس التواري…
رد الفعل اتجاه قرار الانسحاب كان يؤشر على ضعف القراءة المعتمدة لواقع الحراك العربي بشكل عام و المغربي بشكل خاص، ليتوجه السؤال أساس عن البحث عن دوافع هذا الانسحاب في التدافع من أجل حل إشكال الخلافة داخل الجماعة، بتزامن وتدهور الحالة الصحية لمرشدها العام، أو بتناقض سقوف المطالب، بين الوثيقة التأسيسية لحركة العشرين فبراير التي حددتها في ملكية برلمانية، و الجمهورية الديمقراطية الشعبية الاشتراكية الذي يرفعه حزب النهج الديمقراطي، و شعار الخلافة عبر القومة التي يحلم بها عبد السلام ياسين.، أو أخيرا إحساس الحركة بأنها تخدم إستراتجية الفريق اليساري في هذا الحراك، عبر تكثيف الضغط على الحكومة من أجل إقرار إصلاحات مؤسساتية، تصب جميعها، و بمنطق التاريخ المتقدم، في مفاهيم حداثية و دمقراطية لا تخدم على المدى البعيد أجندتها في أسلمت المجتمع و مؤسساته…
هناك قراءة أخرى، حول خلافات التيارات داخل الجماعة، بين مجموعة تقودها ابنة الزعيم و زوجها من جهة، و أخرى يقودها الناطق الرسمي للجماعة بمعية أعضاء آخرين في مجلس الإرشاد، و هي خلافات بدأت تطفوا على السطح خاصة في تجمعات تخص حركة العشرين من فبراير في المدن لكبرى، ليأتي قرار الانسحاب، من أجل لمِّ هذا الغسيل ، وعدم نشره فوق أسطح العموم…
لا يمكن عدم تلمس انحسار ما سمي بالربيع العربي، انحسار ناتج عن تشعب المسارات الذي اتخذه في البلدان الذي غزاها بعمق، ونعني بها تونس و مصر و ليبيا، و هي مسارات كيفما كان الحال ، خيبت في مضمونها جز كبير من أبناء المنطقة العربية، و الذين أصبحوا يتوجسون من كل تصعيد، قد يعصف باستقرارهم و أمنهم، مقابل بناء مؤسسات ليست بالضرورة أفضل مما يمكن تقويضها، و ليست بالضرورة غير حاملة لبذور الاستبداد و الفساد، ليغلب منطق التغيير السلمي ، بإشراك الأنظمة القائمة، وهنا تبرز التجربة المغربية، على نواقصها، رائدة في هذا المجال…
وعي جماعة العدل بهذا المعطى، ووعيها أكثر بتبني الكثير من المغاربة لمقاربة التغيير السلمي، و المتمثل أساسا في ابتعادهم عن الحراك الاجتماعي وعدم نزولهم للشارع باستمرار، أو حتى في الحالات التي ينزلون فيها، يبتعدون عن شعارات الجماعة المزايدة، و ينخرطون في أخرى ترمي لمحاربة الاستبداد و الفساد أساسا، و لا تنادي لا بإسقاط النظام و لا بدولة الخلافة و لا الجمهورية…جعلها هذا الوعي، تشعر و عن حق، بكونها وقودا لكانون تطهى فيه الديمقراطية بالشكل الذي يبحث عه المغاربة، شعبا و دولة، دون أن تستفيد هي من المكاسب التي يمكن أن تعبد طريقها الاستراتيجي نحو تحقيق أهدافها السياسية..
لعل قرار الانسحاب سيعطي للجماعة فرصة إعادة صياغة مفاهيمها، و إعادة ترتيب أهدافها بما يتماشى وتطلعات فئات عريضة من الشعب المغربي، في إقامة دولة و مجتمع ديمقراطيين، حداثِيَيْن و منفتحين…