حميد زيد – كود//
منذ مدة والذكاء الاصطناعي لا يتوقف لحظة عن شفط اللغة المكتوبة.
مفرغا العقول منها.
و مَنْ كان له معجمه الخاص. وكلماته. وطريقة كتابتها.
و مَنْ كان له تاريخ قراءاته.
ومن كانت له ذاكرة.
و من كان له بعض الحروف التي خزّنها في رأسه.
فإنه سيفقدها بالتدريج.
و سيسلمها عن طيب خاطر للذكاء الاصطناعي. الذي لا يكف عن ابتلاع كل ما يجده أمامه.
مِنْ معلومات. وأفكار. وعلوم. وآداب. وفنون. وتاريخ.
و مَنْ منكم لم يضبط ابنا له يأمر الذكاء الاصطناعي بأن ينجز له تمرينا.
أو تعبيرا كتابيا.
أو معادلة رياضية.
ومن منكم من لم يستعن بالذكاء الاصطناعي في عمله.
وفي تصحيح رسائله. وتقاريره. وأبحاثه.
وإذا كان يوجد اليوم بيننا من لا يزال قادرا على كتابة مقال.
أو جملة خالية من الأخطاء.
أو نصا.
فإن هذا النوع من الإنسان سينقرض بالتدريج.
ومع الوقت سيختفي الإنسان الكاتب.
وسيحل بدله الإنسان الشفاهي.
والحضارة الشفاهية.
والمؤهل الوحيد للكتابة هو هذا الإله الجديد.
وكما لو أن البشر يعودون بذلك إلى لحظتهم الأولى.
وإلى نقطة البداية.
وإلى لحظة السقوط.
لنضطر إلى أن نخترع الكتابة من جديد.
وإلى أن نتطور.
وإلى أن نسترجع فردوس اللغة الذي فقدناه.
بعد أن قضمنا تفاحة الشاشة.
وقد صار التلميذ يعول اليوم على الذكاء الاصطناعي كي يكتب له.
والموظف.
والمهندس.
والمحامي.
والأستاذ.
والفقيه.
والصحافي.
ومعد الأطروحة.
كل واحد من هؤلاء أصبح يعتمد على هذا الاختراع.
بينما الإنسان متبطل. ومستقيل. معولا في كل شيء على الآلة.
وقد لا يظهر تأثير ذلك علينا اليوم.
لكن ترقبوا ذلك اليوم الذي سيفتضح فيه أمر كل البشرية في حصة الإملاء.
وعلامات ذلك ظاهرة من الآن.
حيث يولد الإنسان في هذا العصر ناقرا على الشاشة.
ومتفرجا.
و تفاعله الوحيد يقتصر على تفعيل الجرس.
وعلى الضغط على زر الإعجاب.
و من بطن أمه إلى الهاتف مباشرة.
ثم يتسلمه الذكاء الاصطناعي.
ويقول له: الإنسان ليس في حاجة إلى أن يقرأ. ولا إلى أن يكتب.
ولا إلى أن يفكر.
ولا إلى أن يشغل عقله. ما دمت أنا موجودا.
ومع التطور.
ومع تقدم الذكاء الاصطناعي.
فإننا سنتوقف عن القراءة. وعن تعب الكتابة. وتعب استعمال اللغة. وتذكرها. وحفظها في الذاكرة.
ليظهر الإنسان الفارغ.
و من السهل أن نرى الآن هذا التحول في المدارس.
وعند الأولاد.
وفي حصة الإملاء بالخصوص.
باستثناء قلة يعيشون في الماضي. إلا أنهم لن يتمكنوا من المقاومة طويلا.
أمام كثرة الشاشات. ورخصها. و أضوائها التي تعمي.
وأمام إغراءات شيطانها التي لا تنتهي.
وأمام أفعى اليوتوب. و روبلوكس. المغوية للأولاد.
ما يعني إن الإنسان سوف يصبح بلا لغة.
وبلا كتابة.
وإن لم يكن اليوم فغدا.
وسيصبح فاقدا لأي قدرة على التعبير. وعلى الكتابة.
ولن ننتبه إلى الأمر.
حتى يشفط الذكاء الاصطناعي كل الأبجديات
وكل الحروف
وتصبح ملكه. ومتحكما فيها.
ولا يمنحنا القليل منها إلا إذا تقدمنا له بطلب
واشتركنا فيه
ومنحناه المال كل شهر.
وما كان لكل البشرية سيصير يباع لنا بالتقسيط
و لمن يدفع أكثر.
أما الذين ليس لهم المال
فإنهم معرضون لأن يفقدوا أي قدرة على التواصل وعلى التعلم.
وعلى الاندماج في الواقع المعزز
و في عالم جديد تهيمن فيه الخوارزميات.
وتظهر فيه كل يوم آلهة-آلات جديدة.
ولن يثور الإنسان
ولن يكفر
بالذكاء الاصطناعي
إلا حين يفقد حواسه كلها
و يفقد رغباته
و يفقد قدرته على الحب
ولا حياة
ولا نبضة قلب
ولن يجد أمامه سوى الخوارزميات
و التطبيقات المبرمجة والخالية من الروح
فمن أين للإنسان الشفاهي حينها باللغة
من أين له بالحروف
وكم عليه أن ينتظر من قرن حتى يسترجعها من جديد
ويكتب بها
خطابا مفهوما
يعرض فيه لخساراته
و للغته المفقودة. التي شفطها الذكاء الاصطناعي.
وبسبب الغواية
وبسبب عدم تحكم الإنسان في رغباته
وفي تفكيره
فإنه يسلم ما تبقى له من ذاكرة
ومن صور
ومن أسرار
لسحابة إلكترونية
واثقا فيها
ومخزنا فيها كل ما مر من حياته
كافرا بعقله
وبنعمة النسيان
التي لولاها لما تذكرنا أي شيء.
ولما تعلمنا أي شيء.