اسرافيل كود ///

“العلم هو مجموع اخطاء يتم تصحيحها بإستمرار” غاستون باشلار.

عقب صدور كتاب الإسلام يتحدى ،أواخر السبعينات ،للكاتب الهندي وحيد الدين خان، تناسلت المؤلفات التي تسوق لمايسمى الإعجاز العلمي في القرأن ، ليشهد هذا الأمر دروته مع ظهور الشيوخ السوبر ستارات ،التي تسوق لهم فضائيات البترودولار الدينية، كالعارف بأمور الدنيا والاخرة والبحار والسماء الشيخ الدكتور زغلول النجار، و الكويتي أحمد الكبيسي و مكتشف دواء الإيديز الشيخ اليمني صاحب اللحية الحمراء الزنداني نفعنا الله بعلمه.

إن عقدة الدونية والسعي الى الإسترزاق ،دفعت بالعديد الى ابتداع الإعجاز العلمي في القرأن ،من أجل الرد على التفوق الغربي من جهة وادعاء السبق فيما يتعلق بالإكتشافات العلمية، ومن جهة اخرى توظيف موضوع الإعجاز العلمي ، من اجل الكسب المادي .
إن الإعجاز العلمي ،ليس معلوما من الدين يكفر ناكره، بل هو بدعة، سوق لها رهط من مدعي العلم والمعرفة .إن تفاسير الصحابة والتابعين ، خالية من اي إشارات علمية، فالصحابي عبد الله بن مسعود ,فقيه الأمة,الذي دعا له النبي محمد بالعلم ، لم يشر في تفسيراته لأي اكتشافات علمية او تنبؤات تاريخية، بل فسر القرأن والحديث، داخل الإطار التاريخي والثقافي الذي انتجه، وكذالك الأمر في أمهات التفاسير ،كالقرطبي والطبري وابن كثير والجلالين .

إن بدعة لي أعناق الأيات ،وتحميلها مالاتحتمل ،وعصرها حتى تفيض بما لاتحوي وتحتوي ، ليس بدعة إسلامية فقط ، بل نجده عند أهل الديانات الأخرى ، حيث يستخرج الهندوس إعجازا علميا من كتابهم المقدس “الڤيداس” ، وكذالك يفعل البوذيون مع اقوال سيدارتا غوتاما”بوذا” ،وكذلك حال اليهود مع التوراة،والمسحيون مع الإنجيل، بل إن بعض الظرفاء،يفعلون ذلك مع اشعار المتنبي وابي العلاء المعري.
إن أي نص سواء كان دينيا او قانونيا او ادبيا ،فهو حمال أوجه، وبإمكان أي شخص ، أن يستخرج منه أشياء لايراها إلا هو ،وأن يقنع بها ،أشخاص في حاجة إلى ترقيع بكارة إيمانهم ومعتقدهم.

إن خطورة مايسمى بالإعجاز العلمي ، لاتكمن فقط في تغييبه للعقل المسلم، وجعله في حالة من الانتظار ،تجعله يكتفي بدور المتفرج والمقارن بين ماينتجه ويتوصل اليه الغرب واسقاطه على مايوجد بين دفتي القرأن ، بل إن أس البلاء واكبر المصائب ،التي تهدد مصداقية القرأن ، هو اسقاط ماهو نسبي على ماهو مطلق ، فالعلم كمنتوج بشري ، ليس الا معرفة نسبية، تتبدل وتتطور بإستمرار، وقد يحدث أن تكون نظرية ما صحيحة ،ثم يُكتشف فيما بعد انها ليست كذلك، مما قد يجعل البعض يدعي ان الاية الفلانية التي كانت تؤكد هاته النظرية، حسب الإعجازيين ، خاطئة وغير صحيحة، مما قد يؤدي إلى نهاية القرأن ،ككتاب مقدس ،لايأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

إن القرأن الكريم ، ليس كتاب بيولوجيا او جيولوجيا او مدخلا في علوم الفلك والفزياء النووية ، بل هو كتاب هداية وتربية وإخبار عن أمور ميتافيزيقية وغيبية، يُصدق ويؤمن بها الإنسان المتدين .إن الدعوة إلى انتقاد مايسمى الإعجاز العلمي ، ليس دعوة إلى تجريد القرآن من أمور قد أخبر عنها، بل هي محاولة لإرجاع القرأن إلى مكانه الطبيعي ، وعدم الرمي به في غياهب بحر العلوم الحديثة، الأمر الذي سيؤدي به مع مرور الوقت الى فقدان قداسته ، وجعله كتابا كباقي الكتب يحتمل الصواب والخطأ، بل يحبل بأخطاء علمية، قام مرتزقة الإعجاز العلمي ،بإلصاقها به، في يوم من الأيام ،معتقدين بأنها حقائق علمية ،لن يطالها التبديل والتطوير ..بل النفي والتجاوز.