عبد الله ترابي كود ///

قبل العملية الإرهابية بنيوزيلاندا بيومين، كان لي حديث بواشنطن مع أحد المختصين الأمريكيين في الحركات المتطرفة ، والذي يشتغل على الجماعات الجهادية ، بحكم إجادته للغة العربية، و أيضا على اليمين المتطرف العنصري بالولايات المتحدة.

أهم ماجاء في حديثه أن كل هذه الحركات بأنواعها ، شرقا و غربا ، تشتغل بنفس العقلية و المنطق : الشعور أن هوية أفرادها مستهدفة و أن هناك مشروعا خفيا لتغيير الواقع في المجتمعات المعنية يروم إبدال هوية الأمة او الوطن بهوية جديدة و دخيلة، اعتبار المتطرف ان الجماعة التي ينتمي اليها هي الأصفى و الأنقى و الأكثر شجاعة في الدفاع عن الأصل الديني و الحضاري الذي يجب الحفاظ عنه ، الحذر من الدول و الحكومات و التعامل معها على أنها متخاذلة و متحالفة مع العدو الداخلي او الخارجي ، نفي أي اتهام بالكراهية و التطرف و التعجب من هذا الوصف و اعتبار المتطرف لفكره بأنه مقاومة و رد فعل طبيعي و مشروع ضد الاجتياح الثقافي و الحضاري ( الإرهابي الأسترالي كتب على رشاشه اسماء شخصيات تاريخية غربية وقفت في وجه الفتوحات الإسلامية )، الحضور القوي و الذكي على شبكات التواصل الاجتماعي من أجل استقطاب و حشد أعضاء جدد، الدور المتزايد و الجديد للنساء داخل الحركات المتطرفة…

من بين ملاحظات هذا الباحث، بعد سنوات من العمل في هذا الميدان ، وفحص وتجميع لخطب و كتابات وتصريحات المتطرفين الجهاديين و العنصريين ، أن خطاب كل هذه الحركات لها نفس البنية و المنطق الداخلي و أنه ممكن أن نغير فقط بعض الكلمات و التعابير لنص او تعليق كتبه متطرف جهادي مثلا لنجد أنفسنا أمام نسخة مطابقة تماما للخطاب عند المتطرف العنصري ، و كأن شخصا واحدا كان وراء الخطابين .

مقولة ان الإرهاب و التطرف لا دين و لا جنس لهما هي مقولة صحيحة و مخطئة في آن واحد . صحيحة لأن ليس هناك بِدينٍ اكثر دعما للعنف ودعوة اليه من دين اخر ، فكل الأديان فيها نصوص مباشرة او تراثية تقود بعضا من الذين يقرؤونها الى الى الكراهية و رفض الاختلاف و اعتبار الاخر عدوا لا خير يرجى منه ، كما أن ليس هناك عرق او جنس ، برمجته الطبيعة و أعدته ليكون أكثر عنصرية من الاجناس الأخرى . داخل نفس البلد ، ستجد المتدين المتسامح القابل للتعدد و الاختلاف الديني والعرقي بل والمدافع عن ضرورة هذا التنوع ، وتجد فيه المتشنج المتطرف الذي يعتبر هويته هي الأسمى و الاطهر.

غير أن القول بأن المتطرف الجهادي لايتكلم باسم الاسلام و لاعلاقة له بهذا الدين ، و أن العنصري المتعصب لا يعبر عن هويته القومية أو الوطنية العميقة ، فيه شيء كثير من التعامي ورفض النظر الى الواقع بأعين مفتوحة ويقظة. فالجهادي ليس بالغريب عن الاسلام ، ففكره وتصوره للعالم ولعلاقته بالآخرين مبني و مأصل له من داخل الدين و الثرات الإسلامي ، فهو يحاجج و يدافع عن فكره و يدعو له بالقرآن و الحديث و الفقه ، وهو جزء من الفكر الديني و السياسي الإسلامي . وكذلك الحال بالنسبة لليميني المتطرف ، فهو نتاج و سليل لقرون من الفكر العرقي و العنصري ، الذي يجدد جلده بشكل دائم، وهو أيضا جزء من منظومة متجذرة و متأصلة داخل المجتمعات الغربية . الحرب ضد هذه الجماعات و الأفراد، جهاديين وعنصريين ، هي في جانب كبير منها أمنية و استخباراتية ، و لكنها أيضا و خصوصا حرب ضد أفكار لاينبغي التراخي في مقارعتها و الوقوف أمامها بالكلمة و الفكرة و النظر العميق الى الخلل في مجتمعاتنا و ذواتنا .

هي حرب لا تربح الا بالثبات على مبادئ التسامح و التعدد و القبول بالاختلاف ضد قيم الانغلاق و الكراهية و نصب العداء للآخرين باسم الدين او العرق .