صباح يوم الاثنين 12 شتنبر 2011 كان يفترض أن يشهد مقر المفتشية الجهوية لوزارة الإسكان والتعمير بالدار البيضاء حفلا روتينيا لتنصيب المفتش الجهوي الجديد الأستاذ الجامعي عبد القادر كعيوة الذي خلف زميله مراد عامل، لكن نوعية الحضور وطبيعة البروفيلات ذات العيار الثقيل التي كانت حاضرة من قبيل عبد الجليل الشرقاوي مدير مديرية الهندسة المعمارية ونبيل الكردودي المدير العام لعمران الدار البيضاء الكبرى وعبد الرزاق صادوق المدير العام المنتدب لنفس الشركة فضلا عن مناديب الوزارة جعل اللقاء يتحول إلى ورشة حقيقية للنقاش العالي المستوى حول مستقبل الدار البيضاء وحول الرهانات المطروحة اليوم والتي يفترض ربحها من طرف كل الأجهزة العمومية أكانت معينة أم منتخبة، (انظر الخبر في ص4).
 
فالدار البيضاء لها عناية اليوم، وربما هي عناية لم تحظ بها منذ الاستعمار. هذه العناية التي زرعت بذرتها الأولى، بعد صيف 1999 ورسخت بعد انطلاق النقاش حول إعداد التراب الوطني عام 2000. في التمرن على تدبير الدار البيضاء  (le temps zero) وهذه السنة يمكن اعتبارها السنة الصفر
 
وحظيت المدينة الكبرى بالمغرب بأعلى نسبة من ورشات الحوار حول مستقبلها (ست ورشات إضافة إلى ورشة سابعة ختامية ترأستها الحكومة ما بين 2000 و2001 ) لتعقبها خلاصات أثمرت مخططا    وافق عليه الملك عام 2004 كما وافق على الميثاق الوطني  (SNAT)  وطنيا لإعداد التراب 
.( La charte)
ومن أهم ما تضمنته تلك الخلاصات أن الدار البيضاء هي المكسب الرئيسي للبلاد. إلا أن هذا المكسب
مثخن بالجراح ومثقل بالأعطاب تحد من فعالية البيضاء (أزمة التنقل + التعمير+ البيئةّ+ السكن+البطالة…) أي أن كل ركائز مدينة قوية مهزوزة، مما قاد إلى القناعة بوجوب التأهيل الشامل للدار البيضاء وهو ما زكته التوصية الرئيسية للمخطط الوطني لإعداد التراب التي دعت إلى الانكباب بجدية على الدار البيضاء وإلا فلن تقوم للمغرب قائمة أبدا.
هل كانت تلك التوصية نرجسية ترابية؟
أبدا، فالمغرب الذي كان مقبل على فتح حدوده بشكل كامل أمام رياح العولمة انتبه آنذاك إلى أن مواجهة المد الجارف للعولمة لن يتحقق إلا بالاعتناء بالدار البيضاء وتنمية الأقطاب الحضرية الأخرى (طنجة – تطوان ثم وجدة والناظور وفاس ومكناس إلخ..).
خطورة الرهان جعلت الملف يحظى بتتبع شخصي وجدي من الملك محمد السادس فانطلقت الدراسات عام 2003 وقدمت الخطوط العريضة للملك عام 2006 وعممت عام 2007 في شكل وثيقة المخطط  هذه الوثيقة سمحت بتوسيع النقاش حول الدار البيضاء كفضاء ميتروبولي واسع (SOFA)  الوظيفي
 
يمتد من حدود دكالة إلى حدود حلحالة)، أي أن البيضاء لم تعد ينظر إليها كمدينة كبرى فحسب بل ينظر إليها لارتباطاتها الوثيقة بين كل المكونات الحضرية والترابية للفضاء الممتد من الجديدة)
 
إلى القنيطرة، مما أدى إلى تحول في تمثل الخريطة الترابية الوطنية.
موازاة مع ذلك كانت هناك الحاجة إلى مزيد من الآليات لتدبير وتطوير هذا الفضاء خاصة وأنه يحتضن أزيد من نصف الثروة الوطنية (بشريا واقتصاديا) فبرزت الحاجة إلى مخطط علمي مدروس   .(SDAU ) والحاجة إلى مخطط مديري للتهيئة والتعمير(PDU) للنقل والتنقل
 
التمرين الذي انطلق عام 2000 أثمر عام 2008-2009 ثلاث مخططات استراتيجية مترابطة مع بعضها البعض فالمخطط المديري استحضر المخطط الوظيفي وهذا الأخير استلهم من المخطط الوطني وكل ذلك بغرض الإمساك بالسؤال المقلق: أي الدار البيضاء نريد؟
 
وهذه الرؤية الواضحة على المدى البعيد هي التي تنتظر التنزيل الأمثل حاليا في مرحلة إعداد33 تصميم للتهيئة المنتظرالشروع في إخراجها ابتداء من عام 2012.
وبقدر ما يبتهج المتتبع لصرامة هذه النقاشات التي تحاكي النقاشات العالية المستوى في الدول المتمدنة، بقدر ما يصاب بالصدمة من تغييب السياسيين لهذه الانشغالات من خطاباتهم وتجمعاتهم وتعبئتهم للجماهير، علما أن تصاميم التهيئة هي ساعة الحقيقة.