حميد زايد – كود//

لولاه لكنت الآن نصرانيا.

لولا الراحل حميد الزاهير لما تمكن الوالد والوالدة والإخوة والجيران والأمن الوطني والجيش من قطع قلفتي.

فقد كنت رافضا للختان بالمطلق.

حتى أنهم ظلوا يؤجلون العملية. وفي كل مرة كانوا يغرونني. ويحاولون استدارجي. لكني لم أقع في الفخ.

ومرت سنة على خروجي من رحم أمي.

ومرت سنتان.

ومرت ثلاث.

ومرت أربع.

إلى أن كبرت. محتفظا بقلفتي. أرفض أي تنازل عنها. وأي تفريط فيها. مواجها  كل من يحاول أن يستعمل المقص بالبكاء. وبالفركلة. وبالهروب إلى خلاء عين السبع.

وما يؤكد أن عملية إعذاري تمت متأخرة. أني أتذكر الآن كل تفاصيلها. وأتذكر الجريمة التي ارتكبت في حقي. كأنها وقعت اليوم.

ولولا الراحل حميد الزاهير لما نجحوا في ذلك.

ولبقيت محتفظا بالقلفة وهي تغطي حشفتي.

وأتذكر أن المؤامرة شاركت فيها الوالدة وأخوالي. حيث أغرتني بالسفر معها إلى مراكش لحضور مناسبة عائلية. فلم يكن ممكنا حينها أن أرفض.

ومن يرفص السفر. وركوب الحافلة. والتوقف في بنجرير. والتهام الشواء.

وبمجرد وصولنا وجدت جدي وأخوالي في انتظارنا.

ومن ترحيبهم بي. لم أستوعب أنهم ينوون شرا. ولم أنتبه للمقلب. وفي أول فرصة خرجت من بيت جدي لألعب مع أقراني.

وقد كانت للأطفال المراكشيين لعب لا نتوفر عليها في الدار البيضاء. منها كرة يصنعونها بالأشرطة والجلد المقطع.

وعندما يتعبون من اللعب. يتحولون إلى تجار. فيخرجون من منازلهم طاولات صغيرة يضعونها أمام الأبواب. ويبيعون فيها الزميطة. وهي عبارة عن دقيق محمص ومسكر.

قبل أن تخرج الوالدة. لتصطحبني معها كي نشتري طربوشا. من السوق العتيقة.

لكني لم أكن أعلم أن الطربوش لزوم الختان.

وأني سأعتمره. بعد أن يقطعوا قلفتي.

وفي الغد جاء حميد الزاهير  إلى بيت جدي. وكانت أول مرة أرى فيها مغنيا مشهورا خارجا من شاشة التلفزيون.

وبعد ذلك بمدة. شاهدت نجاة عتابو. التي استقرت لفترة بعين السبع. حين كانت بين الفينة والأخرى. تأتي إلى سينما بوليو. واضعة أقراطا عبارة عن ريشتين كبيرتين ملونتين. جالسة تتفرج في الأفلام بين جمهور كله ذكور.

وللأمانة. فإن الراحل حميد الزاهير لم يحضر من أجلي. بل ليغني في حفل زفاف خالي. حيث اتفقت العائلة على ضرب عصفورين بحجر واحد. فكان المغني الشعبي يغني للعريس والعروس.

وكان المدعوون يرددون معه أللا فاطمة.

وكان يسأل للا زهيرو عاودي لي أش جرا ليك.

وكان رقص.

دون أن أدري بخطتهم. ودون أن أتوقع ما سيحصل لي في مناسبة سعيدة كهذه.

وأنه في هذا الجو البهيج سترتكت جريمة في حقي.

وفي لحظة من اللحظات. أتذكرها كأنها اليوم. حملوني كلهم. وواحد يقبضني من يدي. والآخر من رجلي.

ثم وضعوني فوق مائدة. بينما حميد الزاهر يغني”طير يا حمام”.

وعندما أيقنت أنه لا مفر. وأني في مائدة اللئام. وبعيد عن مدينتي. وعن خلائي. ولا قدرة لي على الركض. وعلى الهروب.

وعندما تأكدت أني محاصر. طفقت أشتم جدي بأعلى صوت.

وبلغ صراخي كل أولياء مراكش. وسمعني السبعة رجال. وسمعتني كل الحارات والأزقة.

بينما أنا لا أكف عن شتم جدي بكل ما تعلمته من شتائم بذيئة في الدار البيضاء.

جدي الذي كان يهابه الجميع.

لم أترك شتيمة إلا وقذفتها به. وهو قابض علي بشدة. ليقدمني كقربان لذلك المجرم الذي كان يحمل مقصا. إلى نجحوا في مهمتهم. وأخذوا مني قلفتي. التي حافظت عليها كما لم يحافظ طفل مسلم عليها.

وظلت معي لفترة طويلة.

ولولا الحيلة. ولولا خدعة السفر. وإغراء الحافلة. ولولا العرس وحميد الزاهر. لما استسلمت لهم.

وحين سمعت اليوم برحيله. تذكرت كل هذا.

وتذكرت مغنيا شعبيا مغربيا. رافقنا في طفولتنا. وسكنتنا إيقاعاته البسيطة. ورقصة مرافقيه المتميزة.

ومنه عرفنا ماذا تعني”البهجة”.

وماذا يعني أن تكون مراكشيا.

وليرحمك الله يا حميد الزاهر.

فلولاك. ولولا أغنية طير يا حمام لكبرت نصرانيا.

ولنكثت العهد. الذي أمر الله إبراهيم أن يحفظه.

وكم أنا اليوم فخور بتلك المناسبة.

ولي شرف أنك غنيت لي. وهم يقطعون قلفتي.

فقد كان ضروريا أن يفعلوا ذلك.

لأنه

ومباشرة بعد ذلك

اعتمرت الطربوش

كأن شيئا لم يقع.