تعيش المدينة العتيقة في أصيلة حالة من الفوضى والعشوائية، جعلت سكانها يقرؤون اللطيف على حالها، بعدما كانت مدينة مرتبة ونظيفة. أما الآن، فقد تمكّنت منها العشوائية، وبلغ الأمر حدّ السماح بنصب خيمة كبيرة في الساحة المؤدية إلى قصر الثقافة لإقامة عرس فيها، فتحوّل المكان وكأننا في أحد الأسواق الأسبوعية القروية.

ويتساءل سكان أصيلة عن الأسباب والجهة التي تسمح بهذه الفوضى، خاصة أن المجلس البلدي ليس هو من يرخّص لنصب مثل هذه الخيمة التي دمّرت جمالية المدينة القديمة.
وتحدث كثير من سكان المدينة ، الذين استمع اليهم مبعوث ” كود ” إلى اصيلة ، بحزن عميق، عما آلت إليه المدينة بعد رحيل رئيس بلديتها، الوزير محمد بن عيسى، إذ لم يكن يجرؤ أيّ كان على الإساءة إلى جمالية المدينة وبيئتها. أما الآن، فقد بدا الأمر وكأنه انتقام من مرحلة «محمد بن عيسى»، إذ يبدو أن “جهة ما” شربت حليب السباع، وقرّرت إعادة مدينة أصيلة إلى سنوات الستينيات والسبعينيات.
العجيب في الأمر ان بعد اصحاب الدكاكين وضعوا طاولات وموائد في وسط الأزقة الضيقة ، ضدا على القانون ، من دون ان يحرك ذلك الساهرون على حمايته وتنفيذه. فحولوا دكاكينهم إلى مطاعم ومقاهي ، الأمر الذي جعل الفضاء بائسا ومفعما بالفوضى غير الخلاقة .
وغير بعيد عن المدينة القديمة، وعلى سبيل المثال لا الحصر، جرى تدمير حديقتَي محمد عابد الجابري وأحمد عبد السلام البقالي؛ فقد تم تحويلهما، في البداية، إلى تجمّع لباعة «البابوش»، قبل أن تتحوّلا إلى « باركينغ” لعربات بيع العصائر والمثلجات. وهذا يبرز المستوى الثقافي المتردي الذي يتمتع به من رخصوا لهذه العجائب والمغربات .

أما الكورنيش الرائع الذي أنجزه الراحل محمد بن عيسى ، فقد دنّسته العشوائية أيضًا، بأكشاك قبيحة المنظر وعربات وُضعت فوق مسار الراجلين، وهو ما أعطى صورة واضحة عن العقلية التي تتحكّم في المدينة، وتحاول أن تجعل منها مرتعًا للبداوة والفوضى.فبدت المدينة تسير بسرعتين بعد ان كانت تسير بسرعة واحدة عمادها احترام البيئة وجماليات المدينة المتمثلة في جدارياتها ، اما الان فقد طفت على السطح سرعة ثانية عمادها الفوضى والبداوة.

ساحة الفنان محمد المليحي، التي أُقيمت بالقرب من مدخل الميناء، ورُوعيت فيها المعايير الجمالية عند إنجازها، تحوّلت، للأسف، إلى فضاء للعب الأطفال بالسيارات الكهربائية، وأصبحت عَطِنة بالأوساخ.
وبالعودة إلى المدينة القديمة، فإنها عُرفت، لعقود طويلة، بمنع دخول السيارات والشاحنات إليها، مع السماح لسكانها بإدخال سياراتهم لفترة قصيرة، إما من أجل نقل مريض أو حمل أغراض ثقيلة.
والملاحظ أنه، طوال فترة الصيف، أصرّ بعض أصحاب السيارات على ترك سياراتهم داخل المدينة القديمة، في تحد سافر للأعراف والقوانين ، الأمر الذي جعل مستوى «التهاركاويت» في المدينة يصعد إلى أعلى السلالم.
وهو ما اثار تساؤلا :لماذا لا يطبق القانون حتى لا تتحول المدينة القديمة إلى “كراج علال “.
الحديث عن أصيلة حديث ذو شجون. فبعد أن تحرّكت جهة غير “البلدية” للتكفّل بالنظافة، يتمنى سكان المدينة القديمة أن تتحرّك الجهة نفسها للقضاء على الناموس الذي أصبح يؤرّقهم هذه الايام بسبب الوخز الكثير الذي طالهم.
يغادر المرء أصيلة وفي نفسه حسرة وألم على ما أصابها من تردٍّ وعشوائية، بعدما ظلّت لعقود مالئة الدنيا وشاغلة الناس بمهرجانها الثقافي الدولي.فهل ستتدخل الدولة لحماية هذه المدينة التي ساهمت بقدر كبير في إشعاع المملكة المغربية، وتضع حدا لما يجري فيها ام ان دار لقمان ستبقى على حالها حتى اشعار آخر ؟
















