حميد زيد – كود//

علي أولا أن أعترف.

أنا شخص مستلب بالغرب. و بقيمه. وبحريته. و بديموقراطيته.

و بليبراليته.

وباقتصاده الحر.

ولا تغريني الصين. ولا روسيا. ولا مجموعة البريكس.

ولا البدائل.

ولا الخطاب المتهم للغرب.

ولا المواجه له.

ولا من ينتقده. وينتقد مركزيته. وتاريخه.

ويسكن في مقاومته. ولا يبرحها.

لكني أبحث منذ مدة عن هذا الغرب.

ولا أجده في الولايات المتحدة.

ولا أجده في فرنسا. ولا في ألمانيا. ولا في إنجلترا.

لقد اختفى من كل مكان.

ذلك الغرب الذي كنت أعرفه لم يعد موجودا.

ذلك الغرب الذي كنت أتمنى أن تصبح بلادي مثله لا أثر له.

ذلك الغرب الذي كنت أحلم به.

ذلك الغرب الذي يطمح كل شخص عاقل أن يصبح مثله.

ذلك الغرب الإنساني.

ذلك الغرب المنتصر للحرية. وللديمقراطية. و للقانون الدولي.

و لحقوق الإنسان.

ذلك الغرب المرحب بالآخر. والمستقبل للمهاجر. والمدافع عنه.

ذلك الغرب الذي لا يميز بين الثقافات. والأديان.

ذلك الغرب الذي لجأت إليه الأقليات. و لجأ إليه اليهود. و لجأ إليه المسلمون.

ولجأ إليه الذين لم توفر لهم دولهم فرصة عمل.

و لجأ إليه الفارون من الاستبداد.

ولجأ إليه الباحثون عن الحرية.

أين هو الآن ذلك الغرب.

وأبحث عنه في كل مكان ولا أجده إلا في إسبانيا.

الدولة الوحيدة المنتمية إلى هذا الذي نسميه غربا.

الدولة الوحيدة في الاتحاد الأوربي.

وفي حلف الناتو.

الدولة الوحيدة الديمقراطية.

التي لا تزال تؤمن بقيم الغرب.

ولا تزال مستقلة. وتمتلك موقفها مما يحدث في العالم.

وقد يُرفع شعار في روسيا. أو في الصين. أو في كوريا الشمالية. أو في إيران.

أو في كوبا.

وقد يُتخذ موقف ضد الجرائم الذي يرتكبها”العالم الحر”.

وضد خرق القانون الدولي.

وقد ينتقد بوتين أمريكا

لكن من يصدق الرئيس الروسي.

ومن يصدق العالم الحر بعد كل الجرائم التي ارتكبها.

أو سمح بارتكابها.

بينما لا أحد يمكنه أن يشك في إسبانيا.

التي تحرج الآن الغرب. و دوله.

وتحرجنا جميعا.

ولأنها ديمقراطية. ولأنها ليست نظام حزب واحد.

ولأنها “غرب”.

فلن يجرؤ أحد على اتهامها بدعم الإرهاب.

و بدعم إيران.

ولن يجرؤ أحد هنا في المغرب على نعت حكومتها بحكومة الكوفيين.

و ب”خيانة” قيم الغرب. وتحالفاته.

وبالوقوف ضد مصالحها

إنها الآن ضمير الغرب. والمحافظة على قيمه.

وحتى حينما يحاول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن ينال من إسبانيا.

ومن معارضتها للعدوان على إيران.

ومن دفاعها عن القانون الدولي. وعن الشرعية الدولية.

ومن موقفها من جرائم دولة إسرائيل.

فإنه يبدو متلعثما.

ولا يعرف كيف يضيق على دولة ديمقراطية و أوربية

وتدافع عن العدالة.

وعن القانون. وعن سيادة الدول. وعن حق الإنسان في الحياة.

و ترفض الحرب من أجل الحرب.

والقتل من أجل القتل.

ومن أجل استعراض القوة.

ومن أجل الاحتلال.

وأبحث الآن عن الغرب.

وأينما وليت وجهي أجد يمينا دينيا.

وعنصرية.

و تحريضا على المهاجرين.

وعلى المسلمين.

وعلى الديمقراطية. وعلى الكونية. وعلى الاختلاط. وعلى التعايش.

و أجد صمتا رهيبا. كلما تعلق الأمر بما يتعرض له الفلسطيني من إبادة.

و أجد شيطنه له.

و لحقه في أن تكون له دولة.

وفي أن يقاوم كما يقاوم الناس جميعا حين يتعرضون للظلم.

ووحدها إسبانيا

ترفض أن تخرج من الغرب ومن النظام العالمي الذي بناه مع المنتصرين في الحرب.

وحدها من بين الديمقراطيات ترفض أن تستسلم

و تلتحق بالركب

وبالغرب الجديد الذي صار “شرقا”

وقويا اقتصاديا وعسكريا فقط

مثل الصين

ومثل روسيا

ومنغلقا على نفسه

ومتنكرا لكل قيمه.

ومعلنا موت الغرب كما كنا نعرفه

ونحلم به.

و نتخذه نموذجا.